كيف تصنع النخب العربية العزوف عن الشأن العام؟

أخطر ما في أحداث الفتنة الأهلية القائمة في كل من فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال وبعض البلاد العربية الأخرى التي تعاني من الفتن النائمة أو مشاريع الحرب الأهلية المستقبلية، هو ما يمكن أن ينجر عن هذه الصراعات الدموية المسلحة من حالات هزيمة نفسية جماهيرية واسعة تدفع بالجمهور والشرائح الشبابية الى العزوف التام عن المشاركة في الشأن العام.
لم تتطور الأمور في الكثير من الأقطار العربية والاسلامية الى حالة النزاع المسلح الحي كما نشاهد اليوم على كل شاشات الدنيا في أقطار فلسطين أو العراق وبلدان أخرى في منطقة القرن الافريقي- نموذج الصومال والسودان- ولكن الأمور تبدو في بعض الأقطار الأخرى كلبنان -نتيجة احتقان الوضع الطائفي والصراع الاقليمي الدولي، واليمن وبعض بلاد شمال افريقيا في ظل تنامي نفوذ جماعات العنف "الحوثي" أو "القاعدي" المسلح- تبدو قطعيا أمام مداخل انفجار مدو ظاهره صراعات على مكانة المقدس الديني والمذهبي وباطنه أزمة سياسية واجتماعية وتنموية وثقافية متراكمة نتجت عن الفشل الجماعي والنظامي في الالتحاق بركب العصر تحديثا وتنمية وتلبية لطموحات النهوض السياسي والاقتصادي والتقدم والرقي المعرفي .
وسط هذه التقاطعات الاجتماعية والدينية المحافظة، وأمام رغبة النخب الحاكمة في التحديث القهري بالاعتماد على سطوة المال والسلاح والولاء للأقوى على مستوى دولي، وأمام سقوط شعارات تحرير فلسطين بعد التخلي عنها لمنظمة التحرير المنهكة في أوسلو ومدريد وواي بلانتيشن، وفي ظل اقتران تجربة التحديث القهري بالفساد المالي والاحتكار السلطوي في ظل غياب شرعية شعبية انتخابية تجدد للطبقة الحاكمة وتغذيها بإمداد جماهيري فاعل، وأمام تفشي ظاهرة التعذيب والاعتقال التعسفي في بعض البلاد العربية وبعد توفير تيار التحجر السياسي والتزمت الديني والمغامرات العسكرية لمبررات عودة الاحتلال في العراق وأفغانستان عبر اقدامه على فعلته الارهابية والشنيعة باستهداف أهداف مدنية في قلب الولايات المتحدة... أمام كل هذه الظروف والحيثيات كان الرهان على "النضج" السياسي والفكري لدى النخب الليبرالية الحاكمة في بعض الأقطار وعلى القوى الاسلامية المعتدلة في المعارضة بأقطار اخرى.
غير أن الأيام أثبتت بالكاشف ولاسيما في السنوات الأخيرة أن طبائع الاستبداد غلابة لدى النخب العربية الحاكمة والمعارضة، وهو ما بدى جليا من خلال تجربتي فلسطين ولبنان، حيث لم تقبل فتح بهزيمتها في التشريعيات ولم تتنازل حماس عن بهرج السلطة وما سمي بالجهاز التنفيذي لتقدم بذلك الصراع على حطام السلطة الوطنية على ما سواه من نضالات تتصدى للتوسع الاستيطاني وبناء الجدار وابتلاع للأراضي العربية المحتلة في القدس وضواحيها وباقي الأراضي المحتلة.
ولا أريد هنا أن أتحدث في تفصيل عما فعلته فتح من حصار وغلق للمنافذ الديبلوماسية في وجه حماس من أجل افشال تجربتها في الحكم ولكن أكتفي بتحميل المسؤولية للطرفين فيما الت اليه الأوضاع من احتقان داخلي في ظل تقديم مصالح الحزب والتنظيم على مصالح الشعب والوطن والمقدسات والثوابت التي اختطتها نضالات الشعب الفلسطيني.
أما في لبنان فقد كان يفترض في حزب الله الالتفات الى التشييد واعادة البناء والاعمار بعد حربه الأخيرة التي تورط فيها في غير حساب دقيق مع اسرائيل، الا أن ارتباطاته الاقليمية المعروفة مع ايران عجلت باقحامه في دائرة مطلب سياسي غير ناضج حمل لافتة التصدي للمشروع الأمريكي في لبنان عبر تحشيد جماهيره من أجل المطالبة باسقاط حكومة رئيس الوزراء السيد فؤاد السنيورة، وهو ما دفع بالوضع اللبناني كليا الى حافة أزمة خطيرة تهدده بالعودة الى الحرب الأهلية المشؤومة التي حولت بيروت من عروس الشرق الأوسط الى خراب مازال بعضه ماثلا الى اليوم.
لاشك أن الجماهير العربية تابعت ولازالت تتابع عمليات تحشيد الجماهير في مشاريع حرب أهلية نرى ثمارها المسمومة في غزة وبيروت تحت غطاء استعراض جماهيرية المعارضة والموالاة وفي كربلاء تحت غطاء ديني ومذهبي يهدف الى احياء ذكرى عاشوراء،غير أن ما سيستقر في ذاكرة هذه الجماهير بعد تحول هذه الاستعراضات الى حرب شوارع حقيقية كما هو حاصل اليوم في غزة هو أن العمل السياسي والتنظيمي في منطقتنا العربية قد تحول الى مشاريع حقيقية للخداع والمتاجرة بدماء الأبرياء في مقابل تسويق الخطابات الديماغوجية الواعدة بتحرير كل شبر من فلسطين أو بتحويل غزة الى هونكونغ الشرق الأوسط أو بتحرير كل شبر من مزارع شبعا وبسط السيادة على كامل أرض وسماء ومياه لبنان،أو في المقابل تحقيق العدالة الكاملة بالكشف عن قاتلي الراحل رفيق الحريري عبر انشاء المحكمة الدولية الموعودة .. أو غير ذلك من وعود مذهبية على ارض العراق تارة باسم تطهيره من البعث وتارة اخرى باسم تحريره من قتلة الحسين عليه السلام.
ليس كلامي هذا موقفا شخصيا من مطالب أحزاب وتنظيمات المنطقة وما تلوح به من أهداف أرى في الكثير منها حلما ومطلبا مشروعا، غير أن لسان الواقع يقول بأن جملة هذه الأهداف الاستراتيجية العملاقة يبقى بمثابة أحلام جميلة قابلة للتحقيق على مدى زمني طويل ولايقل عن المتوسط،الا أن الممارسات السياسية والتنظيمية المتخلفة للنخب العربية الحاكمة أو المتحرقة على الحكم سوف يعجل بتأخير تحقيق هذه الأهداف الى عقود ليست بالقليلة، وهو ما سيتيح الفرص واسعة امام الخصوم من أجل تعميق مشاريعهم الابتزازية والامتصاصية والاستعمارية البغيضة ولاسيما في ظل هروب الجماهير العريضة من ممارسة المنشط السياسي والانخراط فيه بفعالية تنموية خلاقة تنعكس على مشاريع البناء والاعمار والنهوض في المنطقة بشكل واضح وملموس.
ان نخبنا الحاكمة والمعارضة المتحرقة على الحكم تصنع بمشاريع الحرب الأهلية الموجودة بالفعل والقوة في شوارع عواصمنا ومدننا حالة من اليأس الجماهيري الكبير وغير المسبوق وهو ما سيعزز من ظواهر الانحراف السياسي باتجاه التطرف الديني المدمر، أو التطرف الأخلاقي المتشكل في ظواهر الجريمة وتعاطي المخدرات والغرق في عوالم التخدير الجنسي،أو باتجاه اليأس الجماعي من حالة الاصلاح الوطني وهو ما سيعزز من حالات الهجرة -هجرة الأدمغة وهجرة المحرومين- أوالانتحار أو غير ذلك من ظواهر التطرف السلوكي والنفسي الفردي والجماعي.
تبقى الفرصة سانحة أمامنا جميعا في ايقاف حالة الانهيار الجماعي وطنيا وأمنيا وسياسيا، بعد ادراك خطورة الأوضاع وخروج المثقفين من دائرة الوظيفية الى دائرة العضوية الانتمائية الفاعلة للأمة وذلك عبر التحرك العاجل والواعي والسريع من أجل عزل قيادات التخريب والتدمير والحرب الأهلية وطرح افاق حضارية وسلمية في شكل حلول وعلاجات رصينة لما تعانيه بلادنا من مشكلات وانحرافات عن الثوابت الوطنية الأصيلة وعلى رأسها عدم الاحتكام الى السلاح في تصفية خلافاتنا الفكرية والسياسية واعتبار افراز النخب الحاكمة والمعارضة مشروطا بالحفاظ على هذا الثابت الوطني والديني والانساني المقدس. مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي ورئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية reporteur2005@yahoo.de