كيف اثرت هجمات نيويورك وواشنطن على الشرق الأوسط؟

العالم تغير كثيرا بعد الحادي عشر من سبتمبر

أبو ظبي – شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر علامة فارقة في الوضع السياسي والجيوستراتيجي على المستوى العالمي، وذلك بوصفها واحدة من أكبر الحوادث في التاريخ المعاصر حيث وقع فيها الاعتداء مباشرة على أقوى دولة في العالم ومن جهات غيـر واضحة المعالم وليست بدول، وسقط الآلاف من الضحايا في خلال ساعات قليلـة، وما زالت تداعيات هذه الحادثة تمتد وتنتشر لتشمل كل أنحاء العالم.
جاء ذلك في الدراسة التي أصدرها مؤخراً مركز زايد للتنسيق والمتابعة تحت عنوان "الشرق الأوسط وتأثيرات الحادي عشر من سبتمبر"، والتي تتناول تداعيات وتأثيرات أحداث الهجوم على نيويورك وواشنطن في سبتمبر من العام الماضي علـى المستوى العالمي بشكل عام وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وباعتبارها أكثر المناطق اتصالاً بهذه الأحداث بعد أن أشارت معظم أصابع الإتهام الى مواطنين من البلدان العربية ، بحيث لم يخلو بلداً عربياً واحداً من اتهام مباشر أو غير مباشر حول الإرهاب والمشاركة في الأحداث.

المستوى العالمي وتتناول الدراسة تداعيات وتأثيرات أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعها من حملة عسكرية أمريكية بدأت هجماتها في أفغانستان على مستويات ثلاث وهي المستوى العالمي، والمستوى القاري الآسيوي ، والمستوى الإقليمي الشرق أوسطي، وهـي المستويات الثلاث التي امتدت إليها تداعيات هذه الأحداث وبسرعة، وربما ساعد التطور التكنولوجي في الإتصالات ونقل المعلومات في سرعة انتشار تداعيات هذه الأحداث والتي جعلت كل سكان الأرض يعيشون ساعات الأحداث والحرب في أفغانستان لحظة بلحظة، مما كان له أكبر الأثر في توجهات الرأي العام العالمي وفي ممارسة الضغوط على العديد من الدول، وانعكس هذا بشكل واضح أيضاً على ردود فعل الشارع في العديد من دول العالم وخاصة في الدول الإسلامية، وقد عبر الكاتب والسياسي الأمريكي المخضرم هنري كيسنجر عن ذلك بقوله "إن عصراً جديداً من علاقات أمريكا بالعالم كله قد بدأ مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر".

أفغانستان البداية وتستعرض الدراسة بداية الحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان مثيرة للتساؤلات حول حجم الحشود العسكرية الأمريكية ومدى تناسبها مع الأحداث ومع أفغانستان كدولة صغيرة وشعب فقير يعاني من ويلات الحرب الأهلية على مدى سنوات طويلة ويعيش في المخيمات وبين الأنقاض، وتعرض الدراسة الآراء المختلفة حول أهداف الحرب في أفغانستان والتي تعدت في معظمها هدف القضاء على تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن الى تصورات ورؤى حول استراتيجيات عالمية ومخططات سياسية واقتصادية، وهو ما اتضح بعد مرور شهور قليلة على بداية الهجوم على أفغانستان، وبعد تشكيل حكومة انتقالية هناك لتحل محل نظام طالبان، بحيث بات الحديث عن أفغانستان جانبياً وهامشياً ليتحول الى الحديث عن أهداف أخرى في أنحاء مختلفة من العالم منها دول وجماعات وتنظيمات وأفراد ومؤسسات وجمعيات وأنظمة حكم وغيرها، بحيث أصبح ما يقرب من نصف دول العالم وربما ما يزيد عن النصف متداخلاً بشكل أو بآخر في هذه الحملة الأمريكية الكبرى، وتوالت القوائم الأمريكية تحدد الأعداء ومصادر التهديد، ومنها قوائم التنظيمات والمنظمات وقوائم الدول المارقة ودول محور الشر ودول التهديد النووي والبقية تأتي.

المستوى الآسيوي وتستعرض الدراسة بدايات معالم صراع عالمي جديد في القارة الآسيوية وأرجعت أسبابه الى سباق التسلح النووي في القارة الآسيوية وظهور بوادر تحالفات عسكرية واستراتيجية بين بعض الدول في القارة مثل روسيا وإيران، واحتمالات دخول الصين معهما أو في تحالفات أخرى، وموقف الهند وباكستان من هذه التحالفات في ضوء الصراع الدائم بينهما، أيضاً هناك العامل الإقتصادي المتمثل في الصراعات والتنافس على مصادر الطاقة في القارة الآسيوية.
وتركز الدراسة على روسيا وإيران كمحورين هامين في التوازنات الإستراتيجية في القارة الآسيوية، وكذلك باكستان التي ألقت عليها أحداث الحادي عشر من سبتمبر بضغوط وأعباء لم يثبت حتى الآن مقدرتها على تحملها، وكذلك الهند التي سعت منذ البداية للإستفادة من تداعيات الأحداث وممارسة الضغوط بكافة أشكالها وخاصة على باكستان بهدف تحقيق أكبر قدر من المكاسب.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد زادت من سرعة تحركاتها في مناطق كانت بالأمس القريب محظورة عليها تماماً، وهي منطقة وسط آسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة.

العرب وأمريكا ثم تتناول الدراسة في فصلها الثالث الآثار السياسية والإقتصادية والإجتماعية لأحداث سبتمبر في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها على العلاقات العربية الأمريكية وعلى القضية الفلسطينية.
فإلى جانب التأثيرات الإقتصادية السلبية التي حلت بالمنطقة العربية بعد أحداث سبتمبر والتي جاءت امتداداً لتأثيرات مماثلة في كل أنحاء العالم تأثرت بها الأسواق العالمية كلها، بدأ الحديث يدور حول العلاقات الإقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية وخاصة الدول التي تتلقى مساعدات أمريكية والدول التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الولايات المتحدة في تسويق منتجاتها وخاصة من مصادر الطاقة.
وتشير الدراسة الى منطقة الخليج باعتبارها أكثر المناطق العربية تأثراً بأحداث سبتمبر على المستويات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية أيضاً، باعتبار أن أصابع الإتهام في أحداث سبتمبر تشير الى دول الخليج باعتبارها موطن معظم المتهمين في الهجوم على نيويورك وواشنطن، هذا بالأضافة إلى تصاعد حدة الحديث حول العراق الذي أصبح المرشح الأول للضربة الأمريكية الثانية.

الإرهاب الإسرائيلي وتناولت الدراسة تداعيات أحداث سبتمبر في الأرض المحتلة في فلسطين، ومحاولات إسرائيل الإستفادة بأكبر قدر ممكن من حالة الذعر والفزع العالمية والأمريكية بشكل خاص في محاولة مستميتة منها الى وضع الجهاد والنضال الفلسطيني المشروع ضمن أشكال الإرهاب، مستغلة في ذلك كل وسائل الإعلام والدعاية وخاصة الأمريكية منها، وزادت إسرائيل بعد أحداث سبتمبر من أعمال القمع والإرهاب والتدمير والإبادة للفلسطينيين، مع حملة مكثفة لتصنيف المنظمات الفلسطينية بمختلف اتجاهاتها ضمن قوائم المنظمات الإرهابية، وهـو الأمر الذي ساعدتها عليه جهات أجنبية كثيرة ووسائل إعلام ذات نفوذ عالمي.
وزاد من تعقيد الأوضاع في الأراضي المحتلة الموقف الأمريكي المنحاز بشكل واضح لإسرائيل وتغاضي واشنطن عن كل ما تفعله الآلة العسكرية الإسرائيلية في الشعب الفلسطيني.

الإسلام والغرب تختتم الدراسة فصولها بتناول أهم القضايا في تداعيات أحداث سبتمبر، وهي العلاقة بين الإسلام والغرب وخاصة أمريكا، فقد طرحت أحداث سبتمبر والاتهامات المركزة والمباشرة للإسلام والمسلمين قضايا صراع الحضارات والحروب الدينية على الساحة الدولية بشكل عام وعلى الساحة الإقليمية في الشرق الأوسط بشكل خاص ، وأيضاً داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
وتناولت الدراسة إمكانيات وتصورات ظهور تحالفات مستقبلية منها ما هو إسلامي ومنها ما هو معادي للإسلام، كما تناولت الحملة المركزة على بعض الدول العربية والتدخل في قضايا التعليم الديني والعقائد، الأمر الذي طرح قضية صراع الحضارات بشكل كبير، وبلور مقولة العداء بين الإسلام والغرب كنتيجة أساسية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر.