كيان لبنان يتهدده خطر الفتنة

بقلم: حسان القطب

لا يمر يوم واحد في لبنان دون أن يصدر تصريح أو بيان أو خطاب يتضمن تهديداً أو نبرةً عالية، أو لقاءً جماهيرياً يحذر وينبه ومن ثم يهدد.
نواف الموسوي الناطق الرسمي باسم حزب الله في هذه الأيام يحذر الفريق الأخر من اللبنانيين قائلاً "أن مرحلة ما بعد القرار الظني لن تكون كالتي قبلها، ونؤكد لهم بأن أي مجموعة في لبنان قد تلتزم بالقرار الظني سيتم التعاطي معها على أنها واحدة من أدوات الغزو الأميركي ـ الإسرائيلي، وسوف تلقى ما يلقاه الغازي، وعلى هؤلاء أن لا يقلقوا فقط بل عليهم أن يكونوا مذعورين".
النائب فضل الله يقول أنَّ "هناك إصراراً على تبرئة إسرائيل في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهذا بحد ذاته يثير الاستغراب".
لا ندري إذا كان هذا الكلام يستهدف حليف حزب الله الذي اجتاح حرم المطار من اجله وعمل على مواكبته إلى منزله وامن له الحراسة من عناصر ميليشياته باعتبار انه جزء من منظومة المقاومة والممانعة. ولكن على العكس من ذلك، طالب اللواء المتقاعد جميل السيد رئيس الحكومة سعد الحريري "بتقديم توضيحات إلى بعض نوابه والى الرأي العام اللبناني عموما، والى التيار الإسلامي السلفي بشكل خاص، حول إقدام أعوانه، لاسيما القاضي سعيد ميرزا ورئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن، على تشويه وطمس التحقيق المتعلق بالمجموعة الأصولية، المسماة مجموعة الـ 13، والتي أعترف أعضاؤها من دون ضغط أو تراجع بأنها أقدمت على إخفاء أحمد أبو عدس ورفاقه، لدى عصبة الأنصار في مخيم عين الحلوة في نهاية العام 2005". ثم يطل علينا نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، حيث ألقى كلمة قال فيها "أما مطالبتنا الدائمة بكشف الحقيقة فقد تركزت على أمرين: الأول كشف الشهود الزور ومفبركيهم، والأمر الثاني اتهام إسرائيل من خلال القرائن".
من خلال هذه التصريحات المتباينة والمتناقضة بين الحزب الواحد والحلفاء يبدو واضحاً وجلياً أن الهدف من الحملة الشرسة التي يقودها حزب الله وفريقه، هو إلغاء المحكمة الدولية وإخافة جمهور اللبنانيين. لذلك كلام هذا الحزب وأتباعه، يتضمن تهديدات صريحة لكل القوى اللبنانية الرافضة لمنطق الاستقواء بالسلاح ولمنطق القوة والغلبة والاستناد إلى قوى إقليمية ودولية تستفيد من الوضع الأمني غير المستقر وغير الآمن لتستطيع المفاوضة على مشاريعها وتنفيذ طموحاتها وتحقيق أهدافها في المنطقة على حساب الشعب اللبناني واستقراره ومستقبل أبنائه لأن هذا أمر غير مقبول على الإطلاق.
إن رفض المحكمة الدولية هو رفض مسبق لمنطق العدالة، ومنطق التهديد وهذا استكمال واستمرار لمنطق الاغتيال. وهذا ما أكده رئيس المجلس السياسي في الحزب السيد إبراهيم أمين السيد، في كلمة ألقاها في حسينية بلدة علي النهري، فيقول إن "جميع اللبنانيين متفقون على ضرورة كشف حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري، وقد اجمعنا على هذا الموضوع حول طاولة الحوار. لكن مرت 5 سنوات. هناك أناس ارتكبوا اكبر جريمة ومؤامرة في هذا العصر اسمها المحكمة الدولية." فالجريمة في نظر حزب الله ليست الاغتيال ومفاعيله وتداعياته وتهديده للسلم الأهلي والعيش المشترك والفوضى وانهيار الدولة والنظام. ولكن الجريمة الكبرى هي في تأليف المحكمة الدولية واستمرارها في ممارسة دورها ونشاطها لكشف المجرمين ومحاسبتهم. والاستخفاف بمشاعر اللبنانيين وعقولهم وقدرتهم على التمييز بين الحق والباطل دفع البعض للتمادي كثيراً حتى أن احد مراسلي الصحف المحلية الذي من المفترض أن يرسل أخباراً وأحداثاً لصحيفته المؤيدة لحزب الله وسياساته كتب تحليلاً يتضمن تهديداً لمدينة صيدا ومخيماتها حين يقول في سياق تحليله "حلان لا ثالث لهما أمام صيدا إذا وقع المحظور ودخلت البلاد أتون الفتنة: إما الدخول في عنق العاصفة والتخبط أو سلوك طريق بر الأمان باستخدام ميزان الذهب. والمصادر تشير إلى حساسية موقع صيدا وظروفها المعقدة جدا في هذه المرحلة من تاريخها فهي أولا وأخيرا أسيرة موقعها الجغرافي عند مدخل الجنوب وتداخلها المناطقي وتنوعها الديموغرافي، وهذه كلها عناصر تجعل منها مدينة شديدة الاشتعال. وبأن لا ينساق الشارع الصيداوي إلى الغرائز والشحن لان في ذلك تهلكة للمتهورين أولا وللمدينة ثانيا كما أنهم أن تهوروا فلن يغيروا حرفا واحدا من «ستاتيكو» الوضع القائم في المدينة مع محيطها." وينهي هذا المراسل كلامه بالنصيحة للصيداويين بالتوجه نحو ولي الأمر بالقول "وهناك تفكير جدي لدى مجموعة من الصيداويين لأخذ موعد من الرئيس نبيه بري في دارته في المصيلح لعرض هواجس المدينة عليه من اجل إيجاد مخارج جدية لصيدا قبل فوات الأوان." والكلام موجه هنا نحو مدينة صيدا باعتبارها مدينة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وهي المدينة التي صمدت في وجه هجمات السابع من أيار/مايو 2008، ولم تستسلم لأهواء ورغبات حزب الله وحلفائه وانتخبت الرئيس السنيورة نائباً عنها، ولا زال هذا الأمر يسبب ألماً شديداً لهذا الحزب وحلفائه فجاء هذا التهديد المبطن بالوقوف على الحياد في حال حدوث صراع. وكأن الأمر هو صراع بين عشيرتين وقبيلتين أو عصابتين، وكأن جرم الاغتيال هو حدث عابر وليس جريمة استهدفت وطنا وكيانا وشعبا، ويجب التوقف عندها ومحاسبة مرتكبي كل هذه الجرائم والاغتيالات حتى لا تتكرر، وكأن الاستعداء والاستقواء والتهديد هو لغة أخوية مقبولة ومقنعة. ولم يوضح لنا المراسل منذ متى أصبحت المدينة أسيرة وعلى يد من هي أسيرة؟ إلى أن أشار في نهاية تحليله للرئيس بري بصفته راعياً وحاكماً وربما وسيطاً أو سجاناً على سكان مدينة صيدا اللجوء إليه قبل فوات الأوان! ولا أظن أن الرئيس بري على علم بهذا الكلام أو انه يوافق عليه.
من خلال هذه التصريحات والكتابات التي تجاوزت السياسيين ليواكبها بعض المراسلين نرى أن استهداف لبنان الكيان والدولة والاستقرار والعدالة والأمن والمؤسسات الأمنية والدستورية هو الهدف وما فشل هذا الفريق في تحقيقه على امتداد السنوات الخمس الماضية امنياً وسياسياً وقضائياً ودستورياً يسعى لتنفيذه اليوم بالقوة وباستعمال لغة فوقية استعلائية تعبر عن تربيته وثقافته وتوجهاته ونظرته لكافة فئات وشرائح المجتمع اللبناني. وهي لا شك نظرة دونية تحمل في طياتها الكثير من المعاني غير الموضوعية وغير المقبولة.
من هنا جاء تصريح نواف الموسوي واجهة حزب الله الحالية ولسان حاله مؤخراً، معبراً خير تعبير عن نظرة حزب الله للدولة اللبنانية ومؤسساتها حين يقول "أن أقل واجب يلقى على عاتقنا أن نحفظ كرامة الشهداء وسمعتهم، وأن من يعتقد أن من حقه أن يحمي شهداءه فنحن أصحاب الحق الأول في حماية شهدائنا وحماية مسيرة المقاومين. إذا كان لديكم من تشعرون إزاءه بجميل الاستشهاد فلدينا آلاف الشهداء، ولنا الحق المطلق في استخدام ما نراه مناسباً لذلك". وتعليقاً على اعتبار أن هيبة الدولة استبيحت بسبب ما حصل في المطار، أشار إلى أن "هيبة الدولة مستباحة أصلاً لأن ثمة من في الدولة سلم أمورها إلى جهات خارجية ففتح ملفاتها بأكملها أمام أجهزة استخبارية، كما أنها مستباحة بقضاء يخضع للتوجهات السياسية".
هذا الكلام يتضمن النقاط التالية:
- إن حزب الله يعتبر شهداؤه في مقدمة الشهداء ولا يقيم وزناً لشهداء القوى الأخرى سواء التي إلى جانبه أو تلك الأخرى.. ويعتبر أن شهداء القوى الأخرى من القلة بحيث لا يستحقون كل هذا الاهتمام..
- وحول استباحة المطار لا يرى الموسوي ضرراً فيما جرى حيث انه يرى الدولة أصلاً مستباحة وعاجزة وهي فعلاً كذلك بسبب وجود فريقه وميليشياته المسلحة التي تحمي المربعات الأمنية. وما حوادث إطلاق النار ومخالفة القوانين وانتشار المخدرات وسرقة السيارات إلا بسبب انتشار السلاح الذي يحميه من يسعى لبقاء الدولة عاجزة وغير قادرة ومشهد مطار بيروت خلال استباحته واجتياحه وغزوه..كما جرى استباحة مسجد البسطة الفوقا ومنطقة النويري وبرج أبي حيدر سابقاً خير شاهد على هذا الأمر.
- يؤكد نواف الموسوي أن بقاء دوره وميليشياته وتجاوزه للقوانين، لا يبقى ويستمر ويترعرع إلا بغياب السلطة القادرة، وان العدالة وسيادة القانون هي ما يراه هو وفريقه مناسباً، وان الشهداء قتلى إلا إذا أسبغ عليهم هو هذا اللقب، وان البحث عمن قتلهم ومعاقبته لا يستحق منا هذا الجهد والتعب والصخب، طالما أنه هو وفريقه بخير وان القضاء اللبناني لا يحظى باحترام فريقه على الإطلاق.
لا يمكن أن تستمر الأمور على هذا الشكل، ولا يمكن أن يستقر الوطن والحكم طالما أن هناك فئة تشكل غالبية الشعب اللبناني، ومن مختلف الطوائف والمذاهب، تشعر بأنها تحت خطر تهديد سلاح ميليشيوي، وسياسيين هواة لا يدركون حجم خطورة تصريحاتهم وتداعياتها على الوطن والكيان. والمسؤولية تقع في هذا الأمر على حزب الله، الذي ينتج قادة وقيادات بهذا المستوى من الفهم والحضور السياسي والخلق الوطني حتى يخاطب بعضهم جمهور اللبنانيين بهذا الشكل، ولا أن يصدر عنهم تصريحات غير مدروسة تهدد السلم الأهلي والعيش المشترك..لأنه غير مقبول أن يبقى هناك في هذا الوطن من يشعر بأنه فوق القانون وفوق المؤسسات مهما بلغ حجم سلاحه وقدرته على التجييش والتحريض.
لذلك نقول بعد هذا السرد والعرض بأن الكيان اللبناني يتهدده خطر الفتنة إذا ما استمر الأمر على هذا المنوال. حسان القطب
مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات hasktb@hotmail.com