كوكب عنبر: أن تعير أهمية كبرى لأمر لا يهتم به غيرك

يأس ولا جدوى

القاهرة - ربما توحي المشاهد الأولى من رواية "كوكب عنبر" للكاتب المصري محمد ربيع بنهاية تشبه ما انتهى إليه بطل رواية "صحراء التتار" للإيطالي دينو بوتزاتي حيث يتماهى الفرد "الجندي" مع قوانين الجماعة التي تهزمه وتجعله ينسى نفسه ثم ينذر نفسه لحرب لن تحدث ضد "التتار" العدو الذي لا يأتي.

ولكن "كوكب عنبر" لا تتبنى ما يطلق عليه "القضايا الكبرى أو الكلام الكبير" بل تنسج عالما مصريا خالصا من خلال تفاصيل صغيرة لوقائع أبطالها لا يواجهون أعداء حقيقيين ولا متخيلين وإنما تتحداهم ترسانة من قوانين البيروقراطية التي تعد من سمات أقدم دولة مركزية في التاريخ.

ويستخدم الكاتب في سرد أحداث الرواية لغة تبدو محايدة لا تميل إلى التقريرية ولا تلجأ إلى صراخ يندد بتراث الاستبداد الإداري لتنتهي إلى رسم واقع يتعرض للزوال من دون أن يبذل أحد جهدا في تغييره وكأنهم يستجيبون لقوة عليا.

والرواية هي الأولى لمؤلفها ربيع الذي نال عنها جائزة ساويرس الثقافية لشباب الأدباء لعام 2011 في مصر.

وتقع الرواية في 167 صفحة وصدرت عن دار الكتب خان للنشر والتوزيع في القاهرة. والعمل أحد ثمار ورشة "الرواية الأولى" التي أشرف عليها الكاتب المصري ياسر عبد اللطيف برعاية دار النشر.

وفي الرواية يتم تكليف "شاهر" الموظف الشاب في هيئة الأوقاف بكتابة تقرير عن مكتبة عامة اسمها "كوكب عنبر" تمهيدا لهدمها لتفسح الطريق أمام خط جديد للمترو في حي العباسية بالقاهرة وقبل بدء مهمته يقرأ ملف المكتبة المحفوظ بهيئة الأوقاف والذي يضم تاريخها وأسماء العاملين والمصروفات.

ولكن بطل الرواية يفاجأ بأن المكتبة شبه مجهولة ولا يعرفها إلا عدد قليل من المواطنين ويكتشف أيضا مساحات من الأساطير والإحباطات والعلاقات المعقدة والقوانين العليا الحاكمة لحركة المجتمع والتي لا تبالي بنتيجة تقريره أصلا.

كما يكتشف أيضا أن المكتبة ليست إلا مخزنا للكتب غير المصنفة وأنه لم يعد فيها مكان لإضافة كتاب جديد إذ كان الناس يتخلصون من الكتب المهملة والموروثة بإهدائها للمكتبة التي تخلو من أي سجلات أو قواعد البيانات.

ويتذكر شاهر أنه قرأ في ملف المكتبة قبل حضوره كلاما عن "حالة الفوضى والعشوائية... سبق وانتقدها شخص ما قبلي في أوائل الثلاثينيات" إلا أنه يطل من خلال المكتبة على شخصيات ثرية فنيا وبعضهم يعاني شيئا من الهوس ثم يجد نفسه متورطا في علاقات متداخلة لأشخاص لا يجمعهم إلا حضورهم إلى المكتبة التي أسسها أحد الأثرياء هدية لزوجته في ثلاثينيات القرن العشرين.

فالدكتور علي أحمد -وهو ناقد ومترجم- أنفق وقته في البحث عن وهم بوجود وثائق تخص ملكية المكتبة في مكان مجهول وسط الكتب ويعتقد أن عثوره على هذه الوثائق سيمكنه من سرقة المكتبة حيث يستطيع إثبات ملكيته لها.

أما الدكتور سيد الأهل فهو محارب قديم ترك الجيش لإصابته ثم درس الموسيقى العربية والتاريخ الإسلامي ونال الدكتوراه "في علم التعمية" وهو قارئ محترف ومثقف عدمي يلم بتاريخ الفنون والآداب بداية من هوميروس مرورا بجيمس جويس ويعتقد بتناسخ الأرواح "على الأرجح روحي كانت تسري في جسد تمساح نيلي... كل من أعرفهم كانوا حيوانات يوما" ويرى أنه من حسن الحظ أن يموت الأصحاب المزعجين.

وتستعرض الرواية أيضا جوانب من تفاصيل تجارة الكتب القديمة ودور الهيئات الثقافية الأجنبية في تمويل أنشطة فنية في مصر بدعوى تطوير المناطق الفقيرة أو تنظيم معارض تشكيلية للوحات الأطفال.

ومن أبطال الرواية "حنا الناسخ" والناسخ ليس لقبه وإنما مهمة يقوم بها إذ يتفانى في تصوير الكتب والمخطوطات بالكاميرا ولا نسمع صوته طوال الرواية التي تنتهي والمكتبة على وشك الزوال ولا يبقى منها إلا النسخ التي صورها حنا وهي نسخ وحيدة وغير مكررة.

ويكتب بطل الرواية تقريرا يوصي فيه بالإبقاء على المكتبة وتطوير أدائها وتحسين الخدمة بها بعد تصنيف محتوياتها وفهرستها ووضعها على الخريطة الثقافية والسياحية ولكنه يكتشف أن تقريره بلا قيمة وأنه مجرد استكمال للشكل ليوضع ضمن ملف قرار هدم المكتبة وأن "قوة إلهية" لن تأتي لتحول مسار خط المترو.

وفي نهاية المدة المحددة لإعداد التقرير يفاجأ شاهر أن مديره كلف بالمهمة زميلا آخر "وقد أداها بإتقان فكتب تقريره في يوم واحد... دون أن يتحرك من مكانه... قرار الهدم مأخوذ من البداية ولا رجعة فيه" فيهم بالرحيل لمكتبة أخرى ينظمها على هواه ويستكمل فيها مشروع حنا الناسخ.