كوريا والعراق: تساؤلات المستقبل العربي

بقلم: محمد الحمامصي

ماذا بعد ضرب العراق وتقسيمها وتولية أمر دويلاتها لجنود أمريكان؟
على من سيكون الدور سوريا، إيران، السعودية، ام مصر؟
كيف يمكن أن تبدو خارطة الوطن العربي ومن الذي سيحكمها: الولاء الأمريكي أم الانتماء الوطني والقومي؟
من سيحكم الخسارات الحضارية والاقتصادية والاجتماعية وتأثيراتها الآن ومستقبلاً؟
من سيحكم آلاف التساؤلات التي ستتوارثها الأجيال العربية جيلاً بعد الأخر حول الصمت العربي والإسلامي المتواطئ وجسور علاقاته مع إسرائيل؟
ما حجم النفوذ والمصداقية اللذين سيتمتع بهما القادة والرؤساء العرب بين شعوبهم (ليس بالضرورة الحاليين) حتى ولو استخدموا آليات القمع والإرهاب؟
ما حجم مصداقيتهم على الساحة السياسية الدولية؟
كيف سنواري سوءة أشقائنا الذين قتلناهم والذين سنقتلهم؟
أليس مجرد السماح أو الفرجة على قتل أخ هو مشاركة في قتله؟
من يحكم باكستان وأفغانستان واليمن وقطر و......؟
إن الدخول في عالم الأسئلة سيحملنا إلى جهات لا نود الذهاب إليها ولا حتى نأمل مخاطرة النظر إليها، هذا على الرغم من أننا منقادين نحوها شئنا أم أبينا.
لكننا سنتوقف عند المقاربة والمقارنة التي يجريها الشارع العربي الآن بين موقف كل من العراق وكوريا الشمالية.
كوريا الشمالية أعلنت رفضها للتهديد الأمريكي، مصرحة بـ "أن الانحناء للضغط الأمريكي لن يجلب سوى الإهانة والموت والتبعية والعبودية"، وحذرت الولايات المتحدة من مواجهة "حتمية" في تصاعد لحدة التوتر بعد أن أمرت بيونج يانج برحيل المفتشين الدوليين المكلفين مراقبة موقعها النووي في يونجبيون، وذكرت صحيفة الحزب الشيوعي الحاكم "رودونج سينموم" ان "المواجهة مع الامبرياليين صارت حتمية طالما لم يتخلوا (يقصد الأمريكان) عن طبيعتهم العدائية والاستغلالية".
هذا في الوقت الذي يعلن فيه العراق تجاوبه الكامل لما تمليه الإدارة الأمريكية من شروط، حتى ليعلن استعداده للسماح لموظفي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بزيارة البلاد لمساعدة فرق التفتيش الدولية على تحديد المواقع التي يشتبه بأن فيها أسلحة دمار شامل، هذا على الرغم من يقينه الكامل من أن الحرب قائمة وتجرى استعداداتها أمامه وخلفه وفوقه على قدم وساق. والموقف العراقي هو النتيجة الطبيعية للموقف العربي الذي يرى في الرضوخ لأمريكا تخفيفاً من وطأة تهديداتها وشرورها وتلييناً لعريكتها وأملاً في تراجعها عن ضرب العراق وتفتيت الخارطة العربية، دون أي اعتبار إلي أن ما يحدث في فلسطين هو نتيجة حتمية للتنازلات التي قدمها الأسرة العربية والإسلامية يتقدمها ياسر عرفات ورفاقه للجانبين الأمريكي والإسرائيلي بدعوى السلام وإقامة دولة فلسطينية، ناسين أو متناسين أن السلام لا يصنعه الضعف ولا الضعفاء، ولا يصنعه التخاذل والتنازل، ولا يحميه الرضوخ، وأن الرئيس المصري الراحل أنور السادات لم يكن ليسترد شبراً من سيناء دون دوي القوة الذي حققه انتصار أكتوبر 1973.
ثم ماذا كان رد الفعل الأمريكي على كوريا الشمالية التي عاودت فتح مفاعلها النووي الموقوف عن العمل منذ 1994 وألمحت بالخروج من معاهدة حذر الأسلحة النووية: التهديد بمحاصرتها اقتصادياً ودعوة جاراتها وحلفاء الولايات المتحدة لقطع العلاقات الاقتصادية مع بيونج يانج، الأمر الذي رد عليه أحد حلفائها الاستراتيجيين الرئيس الكوري الجنوبي بالمعارضة، وبالطبع ستعارضه الصين وروسيا.
وبغض النظر عن ردود فعل الحلفاء وغير الحلفاء بشأن هذه المقاطعة، فإن الشعوب لديها الاستعداد على تسول الجوع والموت تحت وطأته من أن تفقد عزة وكرامة وحرية أوطانها.
إن العرب والمسلمين يخافون مجرد الطنطنة بالكلام، ومجرد التهويش لأمريكا بالحرب. لماذا؟ لأن اقتصادياتهما المنهوبة إذا قدر وخاضوا حرباً سوف تنهار وشعوبها ستعرى وتجوع، فهل المؤشرات في الشارع العربي والإسلامي توحي بأنه في حال إعلان الدول العربية والإسلامية الدفاع عن فلسطين والعراق سوف يصرخ رافضاً هذا المسلك؟ بالطبع لا. حيث تؤكد كافة المؤشرات أن ثمة غضب يجتاح الشارع العربي والإسلامي بعضه مكتوم وبعضه معلن، يتمنى لو أعلن حكامه الحرب (ولو مجرد الطنطنة بالكلام) على أمريكا وإسرائيل معاً، بل يتمنى لو فتح له الطريق للقتال بمفرده أو التطوع تحت قيادتهم.
إن الخوف من تهمة الإرهاب التي لا تلصقها أمريكا وحدها بالشعوب العربية والإسلامية بل ويلصقها حكام الشعوب العربية والإسلامية بالشعوب العربية والإسلامية في حال تمردها ورفضها للتخاذل والانكسار، هذا الخوف الذي يمنعها من تنظيم المظاهرات للتنديد أولاً بموقف الحكام المخزي إزاء إرهاب إسرائيل وأمريكا، وتدخل الأخيرة في الشئون الداخلية لها، وثانياً للمطالبة بالوقوف والتصدي أمام ما ترتكبه العصبة الإسرائيلية الأمريكية ضد العرب والمسلمين وإعلان المقاومة باعتبارها واجباً وحقاً شرعياً من حقوقها، لكن كما رأينا وسمعنا وقرأنا يفرق و يضرب المتظاهرون بالعصي والقنابل المسيلة للدموع ويزج بالكثيرين منهم في السجون والمعتقلات.
إن الصمت العربي والإسلامي المخزي والمتخاذل المستمر منذ ما يقرب من العامين والذي يصعد من تخاذله بالتواطؤ وفتح أراضيه قواعد للجيش الأمريكي لضرب العراق وحماية إسرائيل، يدفع الشعوب إلي الهاوية، ولا يستطيع أحد مهما أؤتي من قدرة على الرصد والتحليل أن يتبين أو يتنبأ بردة الفعل التي يمكن أن تنجم عن ذلك الآن ومستقبلاً، خاصة وأن شيئاً لم يعد مخفياً أو يمكن إخفاءه في ظل ثورة المعلومات والاتصالات القنوات الفضائية والصحف والمجلات وكافة وسائل الإعلام التي لا تتوقف ليل نهار عن بث الأخبار وتطوراتها وتحليلاتها، وتركز الآن على النموذج الكوري الذي بات حديث الشارع العربي والعالمي بمواقفه الصلبة إزاء الهيمنة الأمريكية. * محمد الحمامصي، شاعر وصحفي مصري