كورونا يهدد بانهيار شراكة القطاعين العام والخاص في تركيا

انهيار نموذج الشراكة بين القطاعين الخاص والعام الذي مثل على مدى 20 سنة محركا أساسيا لمسار الحكومة التركية في تمويل مشاريع البنى التحتية من مستشفيات ومطارات وشبكات نقل يفاقم مشاكل تركيا الاقتصادية ويلوح باستنزاف الميزانية.


كورونا يربك الاقتصاد التركي المتهالك أصلا

أنقرة - من المتوقع أن تلقي أزمة فيروس كورونا التي أربكت الاقتصاد العالمي بظلال وخيمة على نموذج الشراكة بين القطاعين الخاص والعام في تركيا في ظل هشاشة الاقتصاد التركي الذي يعاني معضلات متناثرة في السنوات الأخيرة نتيجة السياسات السقيمة التي تنتهجها الحكومة التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.

وتعيش تركيا على وقع انكماش اقتصادي حاد تظهر ملامحه من خلال تفاقم معدل البطالة وارتفاع التضخم وتهاوي الليرة إلى أدنى مستوياتها بفعل المخاوف من تناقض صافي احتياطات البلاد وتأثر المعنويات سلبا وتراجع المستثمرين بسبب التدخلات التركية العسكرية المجانية في أكثر من جبهة صراع.

وتهدد أزمة كورونا أمام المشاكل التي تخنق تركيا جراء تدهور الاقتصاد، نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي مثل على مدى نحو 20 عاماً محركاً لمسار الحكومة التركية التنموي القائم على مشروعات البنى التحتية الضخمة الشاملة للمستشفيات والمطارات وشبكات النقل، فقد وفّر هذا النموذج للشركات الخاصة دخلاً من تلك المشروعات، تضمنه الخزانة التركية.

ومع انتشار وباء كوفيد-19 القاتل الذي أربك الاقتصاد العالمي، من المرجح أن يؤدي هذا النموذج إلى استنزاف الميزانية التركية، بما يعمق أزمة الاقتصاد التركي ويدفع به إلى حافة الانهيار.

ووفقا لمقال نشره موقع 'أحوال تركية'، تم الكشف عن أن تقرير ميزانية تركيا حول إستراتيجية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي بين أن المصاريف بالعملات الأجنبية المضمونة من الخزانة للمستثمرين في مشروعات الشراكة ستصل إلى 71.5 مليار دولار خلال السنوات العشرين القادمة.

وفقا للتقرير ذاته فإن إتمام مشاريع الشراكة بين القطاعين الخاص والعام، كان سيتم بتكلفة لا تتجاوز 67.5 مليار دولار لو أن تركيا تولت ذات المشروعات بنفسها بدلا من تسليمها إلى شركات البناء الخاصة والمقربة من حكومة أردوغان والتي ستحصل مقابل أشغالها على مدى الـ20 عاما المقبلة على 71.5 مليار دولار.

ويتوزع المبلغ المخصص لهذه المشاريع بين الشركات التي حصلت على الجزء الأكبر (41 مليار دولار) التي تولت مشاريع النقل مثل مطار إسطنبول الضخم الذي افتُتح العام الماضي، فيما خصص نحو 11.5 مليار دولار من الضمانات فقط إلى المشافي الطبية  الضخمة التي تمتد على مساحات واسعة تبدو كمدن.

وفي الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يُحسب الدخل المضمون من مشروعات النقل كالمطارات والجسور والطرق السريعة، بعدد المسافرين أو السيارات. وتدفع الخزانة التركية فارق القيمة إذا لم يحقق المشغلون الأهداف المرجوة من حركة النقل في كل عام.

كورونا يضع قطاع الصحة في تركيا أمام اختبار حقيقي
كورونا يضع قطاع الصحة في تركيا أمام اختبار حقيقي

أما فيما يخص المجمعات الطبية فالضمان يحسب بحسب عدد المرضى، ويضم كل مشفى من المستشفيات الجديدة بتلك المدن الطبية ما لا يقل عن 3 آلاف سرير، وهي طاقة استعابية مرتفعة جدا أدت إلى غلق المستشفيات القديمة في كثير من المدن، حيث تم إقفال ما لا يقل عن 13 مستشفى في أنقرة وحدها لترك المجال للمشاريع الجديدة.

لكن هذه المشافي أثارت الجدل خصوصا بعد مقتل وجرح عشرات الجنود الأتراك في العملية العسكرية التي تشنها تركيا شمال سوريا، وانتشار وباء كورونا المستجد في تركيا إصابة أكثر من 1500 بالبوباء، فيما يرجح ارتفاع أعداد المصابين في الأيام القادمة.

ويمكن أن يشكل بعد المسافة بين المدن المنشآت الطبية الجديدة التي حلت محل المستشفيات الحكومية، عائقا في عملية نقل المصابين والمرضى وإسعافهم.

ولم تحل المشافي الجديدة محل المستشفيات الحكومية القديمة فحسب، وإنما حلّت أيضاً مكان المصحات العسكرية، التي أُغلقت في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 15 يوليو 2016، فيما أثيرت شكوك كثيرة حول قدرة تلك المشافي على العمل في حالات الحروب والجوائح والكوارث الطبيعية، بسبب إستراتيجية بنائها.

وفي هذا السياق يقول الطبيب والنائب في البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري المعارض فيكرت شاهين،  إن "هجوم إدلب وجائحة كورونا أظهرا مخاطر وجود منشأة طبية واحدة للتعامل مع آلاف من المرضى المحتمل أن تكون انتقلت إليهم عدوى منتشرة لكوفيد-19، أو مع الجنود الجرحى".

وأضاف شاهين إن "الملاحظة الأولى أن المسافة بين أطراف المجمعات الطبية الضخمة قد تصل في بعض الأحيان إلى كيلومترات، بينما تُبنى المشافي ذاتها في الغالب على مساحة بعيدة عن مراكز المدن".

وتابع "في مجال الصحة الذي قد تفصل فيه ثوان بين الحياة والموت، فإن صعوبة الوصول إلى المشافي التي بُنيت على بعد كيلومترات من المدن تجعل التدخلات لإنقاذ الحياة أكثر صعوبة، وتزيد مخاطر وفاة المرضى".

واستطرد "قلنا من البداية إن هذا النموذج خطأ، وإنه حوّل المشافي إلى مراكز تجارية، وحول المرضى إلى زبائن مضمونين، والآن قد أظهرت الأحداث التي هزّت المجتمع في الآونة الأخيرة بصورة مؤلمة أننا كنّا على حق".

خطر كورونا يحوم حول تركيا وسط توقعات بارتفاع عدد المصابين القادمين من دول الجوار
خطر كورونا يحوم حول تركيا وسط توقعات بارتفاع عدد المصابين القادمين من دول الجوار

ويزداد الأمر خطورة على المجتمع التركي البالغ تعداده 83 مليون نسمة، مع تفشي كورونا، إذ بلغ عدد إصابات بحسب وزارة الصحة 1529 بعد رصد الاثنين 253 حالة جديدة، فيما يرجح أن يرتفع العدد في تركيا بالنظر إلى الإجراءات المتباطئة التي تتخذها الحكومة لمكافحة الوباء المعدي.

وفي هذا الإطار شككت الرابطة التركية في مدى نجاعة المشافي الجديدة في مقاومة الفيروس، حيث قالت البروفيسورة أوليم آزاب المتخصصة في الأمراض المعدية، إن "حجم المدن الطبية سيجعل من الصعب للغاية استخدامها كمراكز لمحاربة عدوى فيروس كورونا".

وأشارت آزاب إلى صعوبة تعقيم وتطهير هذه المجمعات الطبية الضخمة، بما يساهم في انتشار العدوى داخل هذه المشافي الشاسعة في حد ذاتها.

ومن المؤكد وبحسب دراسات طبية أن يعزز تركز عدد كبير من منشآت الصحة في مكان واحد، انتقال العدوى في حالة تفشي الوباء، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على الصحة العامة في تركيا نظراً لأن هذا قد يجعل المشافي مناطق محظورة على المرضى الذين يعانون من أمراض أخرى.

كما يشكل نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص وخصوصا هذه المدن الطبية، خطرا سلط الضوء عليه فيروس كورونا، ففي الوقت الذي شرعت فيه الحكومة في اتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية للوقاية من المرض، فإن منشآت البنية التحتية التي تأسست وفقاً لهذا النموذج لم تعد مستخدمة إلى حد كبير. ما يعني أن التكلفة التي تتحملها الميزانية التركية نتيجة لضمان الدولة العائد من أعداد المسافرين والزبائن بالعملة الأجنبية، آخذ في الارتفاع.

وخصصت الحكومة 18.8 مليار ليرة (3.1 مليار دولار) في ميزانية 2020 لهذه المدفوعات المضمونة. فيما يسير كل من الدولار واليورو نحو الارتفاع بقوة مقابل الليرة، بينما باتت المطارات والطرق والجسور خاوية في أنحاء البلاد بسبب كورونا. وفي ظل هذا الوضع، ستكون الخزانة مسؤلة عن دفع أضعاف هذه المبالغ.