كن عراقيا كي تكون منتفضاً، شاعراً، منشداً

أنشودة "يمة وليدي" تكاد تعيد للغناء العراقي مجدا سعت المراثي الطائفية إلى هدمه بالرداءة.


أنشودة تعيد الأمل للغناء العراقي مثلما أعاد الأمل جيل الشباب الرائع لعيون الوطن

أعاد الفنان العراقي علاء مجيد إلى التعبيريّة الفنية العراقية مجدها في أنشودة “يمة وليدي” وهي تحتفي بأمهات متظاهري العراق، مثلما أعاد ما أرّخه الموسيقار الشهيد محمد عبدالمحسن في أنشودة “عرس الكاع” التي كتبها الراحل عبدالجبار الدراجي بعد أشهر من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980.

كانت درسا موسيقيا في الوطنية آنذاك، الأمر الذي يفسر لنا السبب الذي جعل حزب الدعوة الإسلامي يفجّر بوابة مبنى الإذاعة في بغداد متفاخرا، وكان محمد عبدالمحسن من ضحايا ذلك التفجير.

أنشودة “عرس الكاع” ما زالت متاحة لجمهور يوتيوب وتحظى باهتمام ملفت، فهي شهادة تَحولُ دون أن تلقم الميليشيات الطائفية فم التاريخ حجرا.

وبالأمس استوحى علاء مجيد في لحن وطني بارع، نصا كتبه طاهر سلمان الشاعر الغنائي الذي صاغ قلائد الغناء الفضية، عن علاقة عميقة بين الأم العراقية وابنها المتظاهر في الميادين، ليقدمه مع فرقة طيور دجلة التي أسسها في السويد من أصوات نسائية بهرت الجمهور السويدي قبل الجمهور العربي، وهي تعيد تقديم الغناء العراقي بتوزيع موسيقي معاصر شاركت فيه الفرقة السمفونية السويدية.

أنشودة “يمة وليدي” تكاد تعيد للغناء العراقي مجدا سعت المراثي الطائفية إلى هدمه بالرداءة.

كانت أنغام ناي علاء مجيد التي رافقت أصوات “طيور دجلة” النسائية توغل عميقا في الوجدان العراقي وتعيد للذائقة ألحانا صنعت التعبيرية الفنية.

من يستمع لهذه الأنشودة يدرك أنها ولدت من قلب أم تتوق عيونها لابنها في ميادين التظاهر لاستعادة البلد المخطوف، مثلما تظهر وجعها على سقوطه شهيدا برصاص الميليشيات الحكومية.

فمطربات “طيور دجلة” أمهات قبل أن يكن فنانات، يعشن وجع القلب بعيدا عن دجلة الذي بقي يشق شغاف الروح وهي تتوزع في المغترب الأوروبي، لذلك بدا آداؤهن للانشودة أشبه بهمس الامهات الملتاعات، ما أضاف المزيد من الصدق على روح الانشودة التي تكفلن جميعا بإنتاجها في السويد.

وطاهر سلمان شاعر أرّخ لتاريخ من الوله والوجع والشوق في نصوصه الغنائية، وهو إذا يكتب اليوم من عراقه التواق للانعتاق على لسان الأم العراقية، فإنه يضيف عقدا باهرا لقلادة الغناء العراقي.

لم تولد أنشودة “يمة وليدي” في لحظة انفعال سريعة، لا نصا ولا لحنا، وإنما تكشف عن أعماق الغناء العراقي الذي يرقى بالذائقة السمعية.

صحيح أنها نتاج موقف وطني مساند لجيل عراقي وضع الوهن خلفه في انتفاضة العراق الحقيقي على العراق المزيف، لكنها أيضا تعبر بما لا يقبل الشك عن أن الأغنية العراقية لم تمت تحت وطأة المراثي الطائفية والصخب والجمل الموسيقية المكررة. كذلك برع كعادته الملحن علاء مجيد واستلهم تاريخا من الوله وهو يصوغ جمل “يمة وليدي” الموسيقية.

إنها أنشودة تعيد الأمل للغناء العراقي مثلما أعاد الأمل جيل الشباب الرائع لعيون الوطن في ساعة انتفاضة ستكون درسا في التاريخ الوطني والسياسي. عودوا لـ”عرس الكاع” قبل أن تستمعوا إلى “يمة وليدي” لتروا ما معنى أن يكون الغناء عراقيا، كان على محمود درويش أن يعيد صياغة جملته الشهيرة، كن عراقيا كي تكون منتفضا، شاعرا، ملحنا، منشدا!