كم غريب أمر الغرب ولكن أمرنا أغرب

بقلم: د. فرج الفقير

الغرب يدعونا للديموقراطية صباح مساء، ويتدخل في شؤوننا الداخلية والخارجية بحجة الديموقراطية، وبحجة أننا نُحكم بأنظمة دكتاتورية، وفي نفس الوقت، إذا اختار شعبنا الإسلام، فإن الغرب يتدخل أيضا، ولكن بحجة الإرهاب، فماذا نصنع؟ والله لقد شقينا بإرضاء الغرب هذا ولم نرضه، والله لم يبق لنا إلا أن تهاجر شعوبنا كلها للغرب، ونمحي كلمة الشرق من قاموس الاتجاهات، فيكفينا شمالا وجنوبا وغربا، لعل الغرب يرضى! وحتى هذه أيضا فشلنا في إرضاء الغرب بها، فقد وضع الغرب من القيود على السفر في السفارات، ما لا يعد ولا يحصى من القوانين الصعبة و بل لتكاد تكون مستحيلة، لكي لا نهاجر إليه.

والعجيب أنك لا ترى بلدا من بلداننا إلا وجدت الغرب فيه، يسرح ويمرح، يُفصل فنلبس، يقتل فندفن، يُقسم فنوقع، يسن القوانين فنتنازل، يهدي أراضينا لأعداءنا ثم يدعوننا لسلامه فنُسالم، يسرق بترولنا أمام أعيننا فنُبارك، يمنع عنا زراعة الأرز، ثم يبيعنا إياها بأسعار باهضة فنشتريها وفوقها حبة مسك، يقتل أطفالنا ونساءنا وشيوخنا ثم نضبط أنفسنا وندعوا له بالهداية، يشتم ديننا الحنيف ونبينا الكريم فندعوا لحواره. أكل هذا السلام مع الغرب، ولم نحظ نحن بسلامه؟ أبعد كل هذا الاحتكاك مع الغرب، لم نتوفق نحن بعد بتفهيم الغرب شيئا عنا؟ ألهذه الدرجة نحن رموز معقدة؟ ألهذه الدرجة نحن ألغاز يصعب على الغرب فكها؟

وهذه الحقيقة المرة التي تعيشها بلداننا مع الغرب، هي نفس الحقيقة التي يعيشها المواطن في بلداننا، في علاقته مع الحكام أيضا، فقد شقيت الشعوب أيضا بإرضاء حكامها، فلقد رضي المواطن ومنذ زمن بعيد بأن الحاكم فوق القانون، وأن الحاكم هو ولي الأمر وإن لم يحكم بالإسلام، وأن حكم ابن الحاكم بعد الحاكم هو الأمر الطبيعي، و سلم المواطن أيضا، بأن اسرائيل هي أقوى من الدول كلها، وأن السلام معها هو الحل الأمثل، وسلمنا بأن الذهاب لصلاة الفجر، أو مجرد لبس الحجاب هو أحد علامات الإرهاب، ودفعنا الضرائب تلو الضرائب، حتى ليكاد يكون كل راتبنا ضريبة، والنتيجة أننا لم نرضي حكامنا أبدا، فهم شديدوا الحنق علينا، شديدوا البأس بنا، دعونا للقومية فتبعناهم، ثم للوطنية فوافقنا، حتى الاشتراكية رضيناها لهم ولم نعارض، ولكن النتيجة دائما أننا خائنون، متهورون، وغير منضبطون وارهابيون.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال، وهو هل فقدت شعوبنا ما بوسعها من وسائل وأساليب وطرق لإرضاء هذا الغرب وهؤلاء الحكام ؟ وبتقديري الشخصي لا، لم تفقد الشعوب كل الوسائل بعد، فما زالت هذه الشعوب تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأظن أن سبب نقمة الغرب والحكام علينا هو أننا ما زلنا نقولها ولو لمجرد قول، وربما لو تنازلنا نحن المسلمون عن هذه الوسيلة الأخيرة، لتسامح معنا الغرب وللطف بنا الحكام ؟ وربما بعد ذلك لن نعد بحاجة للتنازل والهوان وترك بلادنا والهجرة إلى الغرب ؟

و بما أن الأمور قد وصلت بنا إلى هذه المواصيل، وبما أن أمورنا قد آلت بنا إلى هذه المآلات، فلماذا لا نقف مع أنفسنا وقفة صادقة ولو لمرة واحدة ؟ لماذا لا نحاول إخراج أنفسنا نحن الشعوب من ميدان الحياد ؟ لماذالا نعيد النظر في علاقاتنا مع أنفسنا أولا ؟ ولنحدد أمرا جوهريا بالغ الأهمية، وهو هل نحن فخورون بانتسابنا لدين الإسلام أم لا؟ فإن كان الجواب بالإيجاب، فلنعلم جميعنا بأننا أمام صراع حضارات، ونحن جزء من هذا الصراع، وليعلم الجميع بأن هذا الدين العظيم لم يكن يوما عاجزا عن نصرة من يلجأ إليه، ويتمسك بعروته ويتقيد بأحكامه، وليعلم الحكام والغرب، بأن فكرة الخلافة قد تركزت وتغلغلت في عقول بعض أبناء المسلمين، وليعلم العاقلون والقادرون من أبناء هذه الأمة الإسلامية، بأننا قد تنازلنا عن كل شيئ يمكن التنازل عنه، وفرطنا بكل ما لا يجوز التفريط فيه، ومع كل هذا لم ننل رضا الغرب، ولا رضا أنظمة السوء في بلداننا، ولقد آن لنا الآن، أن ننظر ولو مرة واحدة لما في يد الله، لقد آن لنا أن نرفع أبصارنا ولو لبرهة إلى السماء، إننا نفتقد إلى شيء من العزة، شيء من رضوان الرحمن . فلنستدرك أمرنا، ولنذكر بعضنا البعض، بأن شيئا ما زال فينا من أحاسيس البشر، وأن إرادة الشعوب، لا يمكن لأعتى قوة عرفها التاريخ أن تغلبها. وصدق الشاعر حين يقول:

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر د.فرج الفقير Abumalic-2006@hotmail.co.uk