كما دخل البنا يدخل مرسي: الرياض لم تنس 'مكر' الإخوان

تغير الزمن وتغيرت طريقة استقبال الاخوان في السعودية: البنا يقبل يد الملك عبدالعزيز، والملك عبدالله يرحب بمرسي

الرياض ـ تحمل زيارة الرئيس المصري محمد مرسي إلى السعودية، كأول زيارة يقوم بها إلى خارج مصر، دلالات عدة، وأهمها محاولة طلب الرضا والمباركة، والتذكير بتاريخ العلاقة بين السعودية والإخوان المسلمين ثم ما بين البلدين. فبعد غياب ولي العهد ووزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز يرى الإخوان المسلمون أن عقبة قد أزيلت من أمامهم في تجديد الصلات مع القيادة السعودية والاستفادة منها.

وما يزال تصريح الأمير نايف يرنّ في آذان الإخوان عندما قال "من دون تردد أقولها إن مشكلاتنا وافرازاتنا كلها جاءت من الإخوان المسلمين، (و) بحكم مسؤوليتي أقول: إن الإخوان لما اشتدت عليهم الأمور، وعلقت لهم المشانق في دولهم، لجأوا إلى المملكة فتحملتهم وصانتهم، وحفظت حياتهم بعد الله، وحفظت كرامتهم ومحارمهم وجعلتهم آمنين، وإخواننا في الدول العربية الأخرى قبلوا بهذا الوضع، وقالوا: إنه لا يجب أن يتحركوا من المملكة، لكن بعد بقائهم سنوات بين ظهرانينا، وجدنا أنهم يطلبون العمل، فأوجدنا لهم السبل، ففيهم مدرسون وعمداء، فتحنا أمامهم أبواب المدارس والجامعات، لكن للأسف لم ينسوا ارتباطاتهم السابقة، فأخذوا يجندون الناس، وينشؤون التيارات، وأصبحوا ضد المملكة"!

قبل أن يركب الرئيس المصري محمد مرسي الطائرة متجهاً إلى السعودية بيومين، كانت جريدة "الشرق الأوسط" السعودية، في عددها (12277) والمؤرخ 9 تموز/يوليو 2012، قد نشرت صورة لمؤسس الإخوان المسلمين حسن البنا، وهو يقبل يد الملك عبدالعزيزآل سعود. يعود تاريخ الصورة إلى العام 1936، وتحكي الصورة النادرة قصة استقبال الملك لوفود الحجاج في ذلك العام، وكان بينهم البنا، فاستغل الأخير الفرصة وطلب من الملك السماح بتشكيل مكتب للإخوان المسلمين بالسعودية، فأجابه الملك "كلنا إخوان مسلمون".

وكانت إشارة إلى الرفض البات، فالملك نفسه يعرف استغلال الدين لغرض سياسي، وهو القائل "الدين طير حر مَن صاده يقنص به"! وهذا ما كان يسعى إليه مؤسس الإخوان المسلمين آنذاك صيد الدين عن طريق الانتشار في الحجاز ونجد. لكن الإخوان استغلوا ما قدروا على استغلاله فعبروا من الأراضي السعودية إلى اليمن، وكان المبشر الأول للجماعة هناك الجزائري الفضيل الورتلاني، الذي نسق للانقلاب على حكومة صناء العام 1948، وكسب إلى جانبه الضابظ العراقي جميل جمال، الذي بعثته الحكومة العراقية لتدريب الجيش اليمني، وقد اُعدم بعد فشل المحاولة، وسلم الذي ورطه وورط غيره، وهو الإخواني الورتلاني، الذي توفى بعدها بعقد بزمان (1959).

وظل الإخوان، من دون أن يسمح لهم بالعمل السياسي داخل السعودية، ينعمون بعونها، وعلى وجه الخصوص أيام الملك فيصل بن عبد العزيز، عندما ساءت العلاقات بين الرياض والقاهرة، بعد إرسال الجيش المصري إلى اليمن، والحرب المعروفة بين الجمهوريين بدعم مصري والملكيين بدعم سعودي، ومحاولة تصدير الثورة المصرية بتدبير انقلابات عسكري ضد الأنظمة الملكية.

واضح في تصريح الأمير نايف، السالف الذكر، أن السعودية قدمت للإخوان العون الكثير، في إيواء قادتهم، من مختلف البلدان، وما زال العديد منهم يقيم بالسعودية ومنح جنسيتها، من مصر والعراق والأردن والجزائر واليمن والسودان وفلسطين وسوريا، وأصبح العديد منهم مدرسون في المدارس والجماعات السعودية، وقضاة في المحاكم ومستشارين إلى أخره. لكن الإخوان قد تجاوزا الحدود وسعوا إلى تنظيم سياسي في السعودية، بتوليفة إخوانية سلفية، عرف بالسرورية، وكان مؤسسه الإخواني محمد بن سرور بن زين العابدين، الذي فر من السعودية، بعد أن "فرخ وباض" على حد تعليق أحدهم.

وحاول الإخوان أن يمتدوا من السعودية إلى بلدان الخليج الأُخرى، بالمال والثروة التي توفرت لهم من الجمعيات الخيرية ومن التجارة والوظيفة، وما غُدق عليهم من مال في أيام الملك فيصل بن عبدالعزيز، للظرف الذي كانت تمر به العلاقات السعودية المصرية، والتأثير في الداخل السعودي عن طريق التربية والتعليم، فهذه المؤسسة كانت ومازالت هي هدفهم الأول، ووسيلتهم للتأثير في المجتمع.

ولكن السلفية السعودية التقليدية، والتي هي مختلفة في العديد من الجوانب معهم وغير مسيسة ومتحزبة، اعاقت هذا التأثير، ناهيك من أن السلطة لا تسمح بمثل تلك التنظيمات، وظل الملوك أبناء الملك عبد العزيز أوفياء لمقولة والدهم: "كلنا إخوان مسلمون"! بمعنى لا داعي للمزايدة، واسم الإخوان كان معروفاً في السعودية، قبل أن يؤسس حسن البنا جماعته العام 1928، فالإخوان السلفيون هم الذين قاتلوا مع عبد العزيز آل سعود، لكن الأهداف اختلفت لما أراد أن يعلن نفسه ملكاً ويؤسس دولة تستخدم أدوات الصناعة الغربية، فتقاطعوا معهم، لأنهم أرادوها غزو دائم، فانتهى أمرهم في معركة السبلة الشهيرة بنجد السنة 1928.

ويتصور الإخوان أن المملكة العربية السعودية قد وضعت هذا التاريخ خلفها، لكن السعوديين كانوا قد خبروا براغماتية الإخوان وانبطاحهم إلى حد تقبيل الأيدي، وما زالوا يحذرون منهم، لذا لا يعني رئيس إخواني في مصر أن تقييمهم لتلك الجماعة قد تبدل، بقدر ما يعني أن المملكة استقبلت مصر وليس الإخوان المسلمين، هذه هي الرسالة التي أريد توصيلها، من خلال نشر تلك الصورة، قبل وصول الرئيس المصري إلى جدة، حيث العاصمة الثانية للمملكة العربية السعودية، ويستقبله ولي العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز. ولن تعتذر القيادة السعودية عما صرح به ولي عهدها السابق الأمير نايف ضد الإخوان أو تسعى إلى تبريره بظرفه،، بقدر ما تحاول الفصل ما بين مصر، والعلاقات التاريخية بين البلدين، والإخوان المسلمين وتاريخهم المملوء بالتجاوزات، واستغلال أي علاقة دينية أو اجتماعية من أجل غرض ساسي.

ولقد استقبلت السعودية رئيس مصر وليس عضو الجماعة ومرشحها للانتخابات، وهذا ما طالعتنا به الصحف السعودية، في حديثها عن الصلات التاريخية ما بين الجمهورية والمملكة، أما الإخوان، وهم في رئاسة مصر، وخارجها هم لدى السعودية، مثلما جاء على لسان وزير الداخلية السابق: إنهم "أصل البلاء".