كمال نشأت الشاعر المظلوم رياديا

كتب ـ أحمد فضل شبلول
نزعته الإنسانية واضحة

إذا كانت شمس المتنبي قد حجبت عنا شموسا شعرية أخرى سطعت في زمنه، فإن الظاهرة نفسها تتكرر في كل عصر، حيث يحجب بعض الشعراء والأدباء ـ دون قصد منهم ـ أسماء شعراء آخرين لا يقلون إجادة عنهم، ويظل النقاد ووسائل الإعلام يرددون أسماء بعينها، وكأنه لا يوجد غيرها على الساحة.
ومنذ أن بدأت مسيرة الشعر التفعيلي (الذي كان يلقب بالشعر الحر في بداية ظهوره) ولا يتردد في مصر سوى أسماء قليلة بعينها: صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وعبدالرحمن الشرقاوي، على اعتبار أنهم رواد تلك المسيرة في مصر.
ونفاجأ بين الوقت والآخر بأسماء شعرية أخرى تشير إلى ريادتها مع عبدالصبور وحجازي والشرقاوي من أمثال: حسن فتح الباب وعبدالمنعم عواد يوسف وكمال نشأت. ولكن سرعان ما يُتناسى الأمر، ونظل نردد الأسماء الأولى باعتبارها صاحبة الفضل والريادة.
ولاشك أن الأمر يحتاج إلى نوع من أنواع التدقيق والتوثيق والنبش في الذاكرة الثقافية والأدبية واستخراج مكنوناتها ليأخذ كل ذي حق حقه، قبل أن تنهال أتربة النسيان على ذاكرة الأمة، وتنسى أعلامها وأصحاب الريادة فيها، فمثلما كان يسطع مع المتنبي أبوفراس الحمداني وغيره، سطعت كوكبة أخرى من شعراء التفعيلة مع عبدالصبور وحجازي، ويعد د. كمال نشأت واحدا من هذه الكوكبة الريادية لشعر التفعيلة في مصر.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب توثيقي تجميعي لمعظم ما كتب عن الشاعر الدكتور كمال نشأت (المولود في حي رأس التين بالإسكندرية 7 مارس/آذار 1923) منذ أن اجترح القصيدة العربية الجديدة وحتى أحدث مؤلفاته الشعرية.
يحمل الكتاب عنوانا تقليديا هو "كمال نشأت شاعرا بقلم لفيف من النقاد والأدباء والصحفيين"، وصدر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة.
ولعل حيثيات فوز الشاعر كمال نشأت بجائزة مؤسسة يماني (مناصفة مع الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة) عام 1998 تكشف عن اقتدار الشاعر وتمكنه وريادته الشعرية.
تقول حيثيات الحكم أو الفوز "إن كمال نشأت شاعر مقتدر من طلائع الشعراء الذين حملوا راية التجديد في الوقت الذي عملوا فيه أيضا على التأصيل والارتباط بالجذور. جاءت معظم قصائد ديوانه (جراح تنبت الشجر) من الشعر الحر، وتدور تجاربه حول آفاق إنسانية وتأملية ووجدانية تتسم بالصدق، وتأتي في صور بديعة التكوين، قوية البناء، وتعد من النماذج الرفيعة لهذا اللون من الشعر، والشاعر بارع في رصد أحاسيسه، صادقة العاطفة، ونزعته الإنسانية واضحة في أكثر قصائده، وهو يكثر أحيانا من القصائد التي يركز فيها تركيزا شديدا على معان ذات عمق. وعلى جودة شعر الشاعر فإن له قصائد يحلق فيها عاليا مثل قصيدة "حلم" وقصيدة "البيت".
مجموعة من أبرز النقاد والأدباء والصحفيين الراحلين والأحياء، الكبار والشباب، يلتقون على 284 صفحة، في كتاب "كمال نشأت شاعرا" ليقدموا لنا رؤاهم ووجهات نظرهم وعصارة أقلامهم حول هذا الشاعر المظلوم رياديا، ليؤكدو ويثبتوا ريادته في عالم الكلمة والموسيقى والخيال والأسلوب واللغة.
والبداية مع حديث إذاعي لشاعر أبوللو الدكتور أحمد زكي أبوشادي من إذاعة "صوت أميركا" عام 1951 عن ديوان "رياح وشموع"، وفيه يجيب عن التساؤل الذي طرحه: هل جاء شاعرنا بجديد في قصيدته "رياح وشموع" التي نسوقها مثالا لتفكيره وتأمله وخياله وأسلوبه، وإن لم تكن خير ما في ديوانه الصادر في سنة 1951؟
ويتناول الدكتور أحمد هيكل بالدراسة ديوان "أنشودة الطريق"، بينما يتحدث الدكتور محمد مندور عن شعر إبراهيم ناجي وكمال نشأت وقدرة النقد على التمييز بينهما (وهي دراسة منشورة في مجلة "الكاتب" المصرية ـ عدد يناير 1962)، ثم يفرد مندور دراسة أخرى عن ديوان نشأت "أنشودة الطريق.
ويستأثر ديوان "أنشودة الطريق" باهتمام النقاد من مختلف الأجيال، فيكتب عنه الناقد مصطفى عبداللطيف السحرتي، كما يتوقف عنده د. ماهر حسن فهمي، وتتناوله الشاعرة ملك عبدالعزيز تحت عنوان "أنشودة الطريق وأنغام الشعر المعاصر"، ويلفت انتباه الناقد فؤاد دواره.
ويكتب الشاعر فاروق شوشة عن كمال نشأت بمناسبة بلوغه سن الستين، ويتناول د. محمد مصطفى هدارة ديوان "أنشودة الطريق" والتردد بين القديم والحديث.
ويؤكد د. يوسف حسن نوفل على ريادة كمال نشأت للشعر الجديد، فيكتب عنه باعتباره صوت الجيل الأول لحركة الشعر الجديد، ثم يثني نوفل بدراسة أخرى عن الإبيجراما والسرد القصصي عند كمال نشأت. كما يتوقف نوفل عند ديواني نشأت: "مسافر ولا وصول"، و"سحابة من بجع مهاجر".
وعن الرومانتيكية التنويرية يكتب د. أمجد ريان شهادته حول تجربة كمال نشأت الشعرية، بينما يتناول د. حامد أبوأحمد القصيدة الرومانسية عند كمال نشأت.
ويتوقف الشاعر د. حسن فتح الباب عند جدلية الحلم والواقع في ديوان "النجوم متعبة والضحى في انتظار"، وعند الوطن والغربة في شعر كمال نشأت، كما يبحث عن براءة الطفولة التي تشفي الشاعر من أوجاع الشيخوخة. ويعلن الناقد د. عبده بدوي اهتمامه بالنجم المتعب الذي ينتظر الضحى.
ويرصد الشاعر عبدالمنعم عواد يوسف ظاهرة شعر الومضة في تجربة كمال نشأت الإبداعية من خلال ديواني "قصائد قصيرة" و"مسافر ولا وصول"، كما يكتب القاص حسن نور عن ظاهرة الومضة في شعر كمال نشأت تحت عنوان "رائد قصيدة الومضة".
وتحت عنوان "الشاعر الكبير كمال نشأت تأثر بمن سبق وأثر فيمن لحق" يكتب الشاعر حسن توفيق، بينما تكتب صافي ناز كاظم عن كمال نشأت الشاعر الذي يحول مرارة الاغتراب إلى شهد.
ومثلما لفت ديوان "أنشودة الطريق" انتباه بعض الأدباء والنقاد، يلفت ديوان "مسافر ولا وصول" انتباه عدد آخر منهم، فيكتب محمد الصادق جودة عن "مسافر ولا وصول" قراءة في شعر الحداثة في مصر، ويكتب إيهاب البشبيشي عن الديوان نفسه، كما يكتب منتصر ثابت، وصبري عبدالله قنديل.
ويكتب د. سعد دعبيس عن شعر كمال نشأت بين البسط الدرامي وإيجاز الومضة، كما يتوقف دعبيس عند قضية السرقات الشعرية بين كمال نشأت وابن سلام الجمحي، بينما يكتب د. حسين خريس (الأردن) مقالا بعنوان "كمال نشأت .. خواطر وملامح".
وبالإضافة إلى ما تم استعراضه من أسماء ومقالات ودراسات، نجد هناك أقلاما أدبية ونقدية أخرى تناولت تجربة كمال نشأت الشعرية، وتوقفت عند أهم ملامحها، ومن تلك الأقلام: علاء الديب، فوزي سليمان، د. عبدالعزيز شرف، د. محمد زيدان، سعيد إسماعيل، محمود فتحي المحروق، صبحي شكري، خالد الحلي، عادل البطريق، صبري الحبشي، أماني الحفناوي، وغيرهم.
إن مثل هذه الكتابات والدراسات والمقالات والكلمات، لتشي بقامة شاعرنا الكبيرة في عالم الشعر، وتؤكد ريادته لأكثر من ستين عاما، وآن أوان إعادة الحق لأصحابه من المظلومين والمنفيين خارج خارطة الريادة الشعرية العربية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية