كمال جنبلاط، لو تُبصر عيناك هذا الانحطاط

في 16 آذار نستذكر كمال جنبلاط الشهيد، ولكننا نستذكره ونفتقده ايضا، كل يوم في حياتنا السياسية والوطنية والانسانية، ونحمد الله انه غادرنا ولم ير كل هذا الانحطاط السياسي والوطني والاخلاقي، الذي نشهده هذه الايام،

كثر السياسيون الى حدّ التخمة، فيما قلّ رجالات الدولة، وكثرت الشعارات الوطنية والقومية وانعدم النضال، وكثرت الاحزاب ـ في لبنان 76 حزبا ـ وقلّت المبادئ، وكثرت برامج الاصلاح وزاد الفساد، وزاد عدد النواب فيما اُقفلت ابواب المجلس النيابي، وكثُرت اعداد السياسيين وازداد الانحطاط والاسفاف السياسي، وكثُرت الدراسات وانعدمت الانتاجية.

وكثر عدد الجامعيين والمتعلمين وقلّ عدد المثقفين، وكثر الحديث عن الدولة المدنية وتزايدت الاصطفافات المذهبية والطائفية، وكثُر التزلّف والتكاذب السياسي وقلّ الحديث عن التعايش والوحدة الوطنية، وكثُر الحديث عن العيش المشترك والوحدة الوطنية وازداد الشرخ المذهبي حتى داخل الطوائف، وازدادت دور العبادة وتكاثر الطائفيون، وكثر رجال الدين فيما غابت التقوى.

وكثر الحديث عن تهويد فلسطين وانعدمت الجبهات المساندة للثورة الفلسطينية ـ كان كمال جنبلاط آخر قائد للجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية ـ وكثرت شعارات الصمود والتصدي والممانعة وصمتت بنادق الصامدين والممانعين، وكثر الحديث عن الديمقراطية فيما زادت السجون والديكتاتوريات، وازداد عدد الصحف وتقلصت الحريات، وتكاثر الصحافيون والكتبة فيما تزايدت الاقلام المأجورة، وكثرت الفضائيات ووسائل الاعلام وقلت مصداقية الخبر، وكثر الهوان والارتهان وقلّت العظمة والعنفوان.

وايضاً، كثرت منابر السفاهة والعُهر وقلّت منتديات الحوار والثقافة، وازدادت ابواق التفاهات فيما تراجعت نسبة المفكرين والمثقفين واهل العلم، ونمت كالفطر النذالة والتفاهة السياسية وندرت القامات الكبيرة، وكثرت العداوات السياسية وقلّت الخصومات الشريفة، وكثّر الشتامون وقلّ الترفع والتعالي، وكثر الذين بيوتهم من زجاج واصحاب العاهات وقلّة هم من يرون عيوبهم ونواقصهم، اما ادعياء القداسة فهم حتما ليسوا من البشر في شيء.

ومن المعروف، ان اكثر الذين يدّعون الصحة والعافية هم اصحاب امراض مزمنة، واكثر الذين يدّعون انتسابهم لله ولرسله هم كفرة وقتلة، واكثر الذين يزايدون ويرفعون سقوفهم هم طامحون لأرخص الاثمان، واكثر الممانعين هم الذين يساومون من تحت الطاولة، واكثر الذين يدّعون العفة في السياسة هم عهرة، وكل الذين تلامس رؤوسهم السماء هم سنابل قمح فارغة، وكل الذين لا تلامس اقدامهم الارض، سترديهم اول عاصفة.

المصيبة الكبرى ان اكثر السياسيين في لبنان تنطبق عليهم هذه المواصفات، والمؤسف ان اكثرهم يرون هذه العاهات في سواهم، وما على بعض السياسيين الا القليل من التواضع.

باختصار، قلة قليلة قرأت او سمعت بكتاب "ادب الحياة" وما احوجنا اليه اليوم.

ويكثر الحديث اليوم، عن تدوير الزوايا لحل مشكلاتنا السياسية وهي كثيرة فيما التسوية مرفوضة من طرفي النزاع في غالب الاحيان، يكرهون وليد جنبلاط لانه يرفض اصطفافات 8 و14 أذار، الفريقان انتهت صلاحيتهم، ويصرّون على بيع بضاعتهم الفاسدة للشعب اللبناني ليسمموه، فريق صار خليطا لا كيمياء بين افرقائه هم "من كل واد عصا"، وفريق آخر يريد ان يحتكر كل شيء ويرفض ان ينضوي تحت كنف الدولة، ويريد ان يفتح على حسابه، بانتظار الدولة "القادرة" وهو نفسه يمنع حصولها..القداسة اكبر من الدولة!

قال كمال جنبلاط: "الحقيقة هي ان قوام اي فعل التزام حل وسط او قل تسوية، ففي كل لحظة من لحظات حياتنا، لا بدّ لنا من ان نقف ونلجأ الى الحل الوسط او التسوية، الم يكن غاندي صاحب هذه الكلمة الرائعة: "علمني حب الحقيقة ان ارى جمال التسوية".

الذين اغتالوك، يقتلون اليوم شعبهم بالاسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة ويهجرون الملايين من شعبهم، والدولة التي رفعت بالماضي شعار "حق تقرير المصير" يقف اليوم قيصرها ضدّ الشعب السوري ويزوّد النظام الديكتاتوري بالاسلحة ويحمي مجازره من المحاسبة الدولية.

حين دخل الجيش السوري لبنان عام 1976، وقبل يومين من وصول رئيس الوزراء السوفياتي ليونيد بريجنيف الى سوريا ـ وهم كانوا موافقين ضمنا على دخولهم ـ هؤلاء لم يرف لهم جفن يوم اغتيل كمال جنبلاط حامل "وسام لينين للسلام".

يومها قال كمال جنبلاط "لعل السوفيات لم يكونوا بالغي الرضى والإرتياح إزاء نزعتنا الديمقراطية القوية على صعيد المؤسسات السياسية، كل دولة كبرى هي في النهاية أسيرة مصالحها القومية المباشرة، والحق أنني لا أدري اذا كان السوفيات يتمنون حقا وصدقا ترسيخ الإشتراكية في المنطقة".

وها هو "القيصر" اليوم يساند الابن على اغتيال شعبه ويمدّه بالسلاح، دون ان يرف له جفن، الانظمة التوتاليتارية متشابهة وان اختلفت التسميات، فما اشبه اليوم بالامس.

في ذكرى استشهاد كمال جنبلاط، الافضل ان نذكّر ببعض كلماته التي تصلح لايامنا الحاضرة، وهو كان يتحدث في غالب الاحيان للمسقبل وللاجيال القادمة، كان افضل من استشرف المستقبل، ولذلك سأورد بعضها دون تعليق:

- قال في ندوة سياسية في العام 1958 أي قبل ستة وخمسين سنة، "يكاد لبنان في هذه المرحلة يكون اتحادا فيدراليا لطوائفه اكثر منه دولة في المعنى السليم والصحيح". من كتاب "طريق المختارة" للاستاذ عزت صافي.

- "المهم، والذي يستحق توجيه كلّ العناية، هو إثارة الناس في أعماقهم، لا تحريك سطحياتهم، لأن ثورة الأعماق تبقى، أمّا ثورة السطح فتذهب بها الزوابع، يكاد لبنان في هذه المرحلة يكون اتحادا فيدراليا لطوائفه اكثر منه دولة في المعنى السليم والصحيح".

- "هذه الأنظمة الكلية الشيوعية بدأت تعصف فيها رياح الحرية، والتي ستتحول الى ديمقراطيات سياسية ذات نظام حريات وشورى في المناهج والأحزاب قبل سنة 1985 في تصورنا" كتاب "لبنان وحرب التسوية".

- "ان الشيوعية الماركسية بصدد التغيير تغيرا بطيئا لكنه ثابت وأكيد، والطفرة الفجائية النهائية قريبة، وسينتهي الأمر بالحرية الى الغلبة، تحملها ايدي الشريحة الجديدة الواسعة من انتيليجنسيا العلماء والفنانين والمثقفين على مختلف الأصعدة ثم يتبعها المواطنون انفسهم"، "هذه وصيتي".

- قال كمال جنبلاط في جلسة مجلس النواب في 18 تشرين الثاني 1952، وهي الجلسة الاولى التي حضرها بعد انتخاب كميل شمعون رئيسا: "الشعب لا يريد الطائفية، وقد كان على الحكومة ان تمحوها من الوجود حتى لا يرتفع صوت رجل دين في هذه البلاد، الشعب وحده الأساس وليس رجال الدين".

- "انني اريد ان اكون درزيا من حيث التوحيد والبطولة، ومسيحيا من حيث المحبة، ومحمديا من حيث الإيمان ورحابة الدين السليقي الأول.واشعر بأنني اخسر كثيرا من اشتراكيتي ومن انانيتي ذاتها ان لم اكن كذلك".

وأخيرا، وفي ذكرى استشهادك السابعة والثلاثين، نقول لك: ان جثة قاتليك مرّت من أمامنا، وفي المناسبة، فان مصادفة يوم اغتيالك بيوم انطلاقة ثورة الشعب السوري الأربعاء في 16 آذار 2011، انما هو القدر الذي أراد أن يثأر لك ولآلاف ضحايا هذا النظام على مدى نصف قرن تقريبا،

وانت القائل: "أنقذ الله سوريا من هذا الحكم الطاغي وأعاد للعروبة قدرتها ومنعتها وعزتها على ضفاف بردى".