'كل شيء للبيع' .. تفجر أسئلة وآراء كثيرة

الأقصوصات عمل فني مسل وممتع ومفيد

عمّان ـ عقدت مؤخرا ندوة في رابطة الكتاب الأردنيين تمت خلالها مناقشة كتاب "أقصوصات" للكاتب الأردني صبحي فحماوي، بعنوان "كل شيء للبيع" تحدث فيها كل من الدكتورة عالية صالح، والدكتور محمد القواسمة، وأدارها الدكتور باسم الزعبي، بحضور المؤلف.

ويعد هذا الكتاب هو الأول لفحماوي - ضمن ثلاثية (أي ثلاثة كتب) تصدر له هذا العام عن دار "الآن ناشرون وموزعون" بعنوان (ألف أقصوصة وأقصوصة).

وتحدثت الأستاذة الدكتورة عالية صالح عميدة كلية الآداب بجامعة عمان الأهلية فقالت:

"كل شيء للبيع" لصبحي فحماوي، مجموعة أقاصيص، عددها ثلاثمئة وخمس وثلاثون أقصوصة، تتوزع على 174 صفحة من القطع المتوسط. وهي ضمن متسلسلة تحت عنوان "ألف أقصوصة، وأقصوصة" وعنوان فرعي لهذا الكتاب "كل شيء للبيع".

استطاع من خلالها أن يجول في الماضي والحاضر، ينتقي ويختار وينتخب الملفت والمؤثر والصادم والمفارق، ويقدمها للمتلقي لقمة سائغة وغير سائغة، منزلا لها على الشبكة العنكبوتية، وعلى الورق، لتحيا، ويتفاعل معها الناس كما حدث معه في قصة "الطفل والأفعى" فتفاعل الناس أدى إلى تغيير نهاية الأقصوصة وصقلها. إذ كانت الأقصوصة:

"يجلس الطفل ابن السنة الواحدة وحيدا على الأرض، وهو يأكل اللبن عند باب البيت..

تزحف أفعى كبيرة قادمة باتجاهه.. يفرح لها.. يدعوها بإشارة لتشرب معه اللبن.. يمسك برأسها ويقربه من صحن اللبن.. تنظر الأفعى إليه مبتسمة ثم تشرب.. تستمر محاورتهما بالإشارة سعيدين.. تدخل أم الطفل، ترتعب لمشاهدة المنظر، فتصرخ وتهجم على الأفعى وتدوس على ذيلها محاولة قتلها.. ترتد الأفعى، فتعض الأم، التي ترتمي على الأرض ميتة."

هكذا كان نهايتها، ولكن أحد قراء الفيسبوك كتب له: "لماذا تموت الأم بهذه الطريقة، غير المناسبة للفكرة!" وفعلا قبل السارد نقده مشكورا، وغير نهاية الأقصوصة، لتكون.. "ترتد الأفعى فتعض الأم، التي ترتمي على الأرض بين الحياة والموت، فيهجمون لإسعافها".

هذا المتلقي هو من الذين لم يستمعوا إلى حكايات الجدات الفلاّحات اللاتي كن يعايشن الأفاعي ويتغلبن عليهن دون قتل، إذ تسرب عداء الأفعى للإنسان من الميثولوجيا القديمة المروية وبدأت تأخذ رمزيتها في الأدب الحديث، لكن المروي الشعبي لا يعادي الأفعى ويتعايش معها، المقولة: عند العقرب لا تقرب عند الحية افرش ونام" بمعنى أن الحية لا تؤذي إلاّ من يوذيها.

فالحكاية تروى بالموروث الشعبي أن أما وضعت لطفلها الطعام المكون من الزيت واللبن في وعاءين وذهبت لبعض شأنها وعندما عادت وجدت طفلها يمسك برأس أفعى ويضعه مرة في إناء الزيت ومرة في إناء اللبن داعيا الأفعى إلى الأكل لاثغا بلغته (أُكي لبن، أُكي زيت).

لقد وجدت الأم مع الأفعى، لكن الحكاية لا تكتمل في الرواية، فالأم قادرة على التصرف في الموقف وتبقي على حياة الشخصيات الثلاثة. فالأم المفزوعة، والفزعة غير موجودة في الحكاية الأصلية، إنها أم تليق بها الأمومة.

وكما عمل برخت على هدم الجدار الرابع في المسرح وجعل من المسرح مسرحا تفاعليا يتشارك فيه الجمور مع الممثلين، فوسائط الاتصال عملت على جعل النص مسودة يشارك في تبييضها المتلقي، ويقوم بدور الناقد للعمل مباشرة. إنه ميلاد الأدب التفاعلي الذي يتشارك فيه أكثر من مؤلف وتحفظ حقوق كل الأطراف بالزيادة والتعديل والمحو والحذف.

أستطيع أن أصف مجموعة الأقصوصات هذه بأنها نهر مسلسل من أحداث ومواقف مختارة ولافته في هذه الحياة منها الملتقط من المشاهدة، ومنها الملتقط من القراءات الممتدة على عصور الأدب المختلفة: استوقفتني استعادة حكاية وضاح اليمن وصندوقه؛

"الصندوق"

أبلغ كبير المخبرين الخليفة، أن شاعره المفضّل يختلي الآن بحرمه المصون، وأن حرمه المصون، عندما تشعر بخطر، تخفي الحبيب في صندوق ثيابها. وفورا دخل الخليفة على زوجته، وطلب منها هذا الصندوق، فلم تملك إلا أن تذعن لطلبه. حمل جماعته الصندوق، وخرجوا به، وفي حفرة عميقة دفنوه، فاختفى شاعره المفضل، ولم يظهر بعد".

من يسأل عن شاعر اختفى؟ من يسأل الخليفة؟

تشير هذه الأقصوصة إلى الخلل المزمن بين السلطة والمبدع، فالإبداع لا يحمي المبدع من الموت على يد السلطة التي يقف معها ويساندها. إنها أقصوصة مكثفة فيها شخوص فاعلون: المخبر والخليفة والشاعر والزوجة، والجماعة. وأحداث متوالية متتابعة: دخول الخليفة على الزوجة وطلب الصندوق وأخذ الصندوق، ودفنه في حفرة، ومكان هو مكان الخلوة، والصندوق، والحفرة، وزمان هو زمان حدث الفعل الذي لم يتحدد بإشارات.

فالعنصر البارز هو الحدث، والحدث يرتكز على محدث، في زمان ومكان يستوعبان الحدث. وهنا اختار من الحكاية الحدث الحاسم الذي أظهر الخليفة مندفعا وراء كلام مخبر، غير معني بحياة الشاعر. حكاية تستوقف المتلقي لغرابتها، ولأنها حدثت في صدر الدولة الإسلامية، الخليفة يدفن الشاعر بالصندوق؟ وضّاح المشهور بشاعريته وجماله.

هذه الأقصوصات رصدت أوجاعا ومعاناة يومية ناتجة عن الالتفاف على القوانين والأنظمة فالقوانين والتنظيم يوضعان ليلتف عليهما، ثم نعاني ما نعاني، ونواجه ما نواجه، لأن كل شيء للبيع هذه ظاهرة نعيشها يوميا ترصد في أكثر من أقصوصة وخير ممثل لها هذه الأقصوصة بعنوان "مخالفات".

"بنى عمارة محترمة، وأسس تحتها مواقف سيارات، حسب مواصفات البناء، وبعد حصوله على إذن إشغال من البلدية، وضع أعمدة داخل مواقف السيارات، وادعى أن ساحة التسوية لا تستوعب دخول السيارات، دفع مخالفة بسيطة، وأجّر البنية التحتيّة كمحلات تجارية. اكتظت الشوارع بالسيارات الواقفة، فتراكم رجال الشرطة يطبعون عليها المخالفات المغلظة. فرح رئيس البلدية بالإيرادات المزدوجة، من ترخيص تسويات العمارات للتجاري، ومن مخالفات السيارات التي تنهال عليها."

تقوم هذه الأقصوصة على مجموعة أحداث متتالية، ينجم عنها مجموعة مفارقات متضادة وخبيثة تستهدف جيب المواطن العادي، بتضافر جهود المسؤول والمستثمر في الالتفاف على القانون والتعليمات يصبح كل شيء قابل للبيع والخاسر هو المواطن العادي. فهذه الأقصوصة سلطت الضوء على مشكلة الازدحام في الشوارع التي تعاني منها في عمان.

وفي مفارقة أخرى تسلط الضوء على سوء الخدمات المقدمة للمواطن، فبعدما يتعثر المواطن بالمطب قد يجد ما يشير وقد لا يجد، فالمفارقة قامت على انتبه خلفك مطب.

"مطبات شوارع"

"طلبوا من البلدية وضع إشارة تحذير عند مطبات شوارع المدينة. فوضعت البلدية إشارات مكتوب عليها: انتبه، خلفك مطب."

كما تطرقت هذه الأقصوصات إلى أساليب التسويق الحديثة التي تعمل بكل آلة ولا تقعد في أي حالة، كما في "رعب تسويق المبيعات".

"لتطوير تسويق مبيعاتهم لأجهزة إنذار السيارات، نظم الوكيل عصابة سرقة سيارات، بحيث يشغل أحدهم السيارة، ثم ينقلها إلى حارة بعيدة ويتركها هناك، بلا تخريب أو تدمير. ساد الرعب في المنطقة، فاضطر أصحاب السيارات لتركيب أجهزة الإنذار، التي ينشط الوكيل لتسويقها."

ورصدت الأقصوصات الأمراض الاجتماعية التي نعاني منها كالرياء الاجتماعي، ففي أقصوصة "جنازات" التي تقوم على فعل ورد فعل، ففي حياة الرجل الكبير عندما مات كلبه سارت الجموع الغفيرة، أما عندما مات هو فرد الفعل امتناع عن الفعل لم يشارك أحد في جنازته، مشاركتهم في جنازة الكلب ليتقربوا من الكبير، مشاركتهم في جنازته لن تقربهم من أحد.

ومن الأقصوصات ما يستشرف المستقبل ويحكي طموحا مجتمعيا وهو خلاص المجتمع من التلوث كما جاء في أقصوصة "طاقة شمسية":

"صدر مرسوم بتحويل طاقة السيارات إلى خلايا شمسية، وما أن تنفيذ الأمر، حتى صفا الجو، وتحسنت الرؤية، وتنفس الناس الصعداء، وتضاءلت أمراضهم، فعاشوا بسعادة غامرة."

وهو في هذا الاستشراف يرى المجتمع متضائل الأمراض، ويعيش الناس بسعادة في المجتمع.

ويرى فحماوي أن الأقصوصات عمل فني مسل وممتع ومفيد ومختصر للزمن، يأتي ومضة سريعة، باهرة. فالأقصوصة مكثفة، وتلقيها سريع. والأقصوصة رسالة قصيرة، ونص ذكي ويعيد الأقصوصة إلى جذرها الذي يراه متمثلا في التوقيعة. وأن العصر هو الذي يملي على الناس الفن الأدبي المناسب، فكثرة المراسلات أدت في عصور سابقة إلى أن يتأنق الناس في الكتابة، ويذيلوا تلك المراسلات بعبارات مكتنزة. إذ يقول: "إنها أفضل وسيلة فنية أدبية لتصوير الموقف الذي يتخذه شخص ما، تجاه ما يتعرض له من مفاجأة، وذلك باختصار شديد."

والأقصوصة جنس فني لا يهتم كثيرا بتصوير المكان والزمان والملابس والديكورات والعلاقات العامة للشخصية، ولا لباقي المؤثرات السمعية والبصرية التي تعتبر من معالم القصة القصيرة، أو الرواية، ولكن الأقصوصة تركز على الحدث والموقف منه، أو الفعل ورد الفعل، وهي تحتفظ لنفسها من مواصفات الرواية والقصة بأنها تقدم تنويرا على قضية ما، أو تحمل فكرة ما، أو تطلق سخرية من موقف ما، وتتسم بلغة بليغة، متينة التركيب مركزة، ذات شكل ومضمون متوازنين.

وتعتبر المفارقة أو عكس التوقع من أهم مميزات الأقصوصة، وكذلك السخرية التي تتضح في رد الفعل. كما في أقصوصة "شتائم":

"حدثني المختل بن اليمان قال: أشبعناهم شتما وفازوا بالإبل".

وهنا يركز فحماوي على الأحداث والشخوص واستراتيجيات النص الذي يكتب، وفي هذا النوع من الكتابة يتقدم الحدث على الشخصية، لا سيما عند الوصول إلى الخاتمة، التي تتضمن مفارقة مدهشة حافزة على اللذة والمتعة، وصولاً للتأمل والتفكير فيما وراء النص، تحقيقا للمسار الإيحائي المنشود.

ولقد لفتني هنا أقصوصة "تضحية": "على طريق الفراعنة في التضحية بأجمل بنت للنيل، ليفيض ويروي زرعهم. قرر أهل غزة التضحية بستمائة طفل في ليلة مرعبة، وذلك للحفاظ على كرامتهم".

يعمد القاص في هذه السياقات إلى استثمار "المناص" ليؤسس لما يعرف بـ ”الميتا نص”، فيأخذ حدثاً من التاريخ ويعممه بنزع الأسماء الحقيقية عنه ليعبر عن خليفة وشاعر في زمان فيه خليفة وشاعر.

فالقاص يضع المشهد أمامنا لنغيب في تأملاته، فالراوي يخرق الواقع، ولكن دون أن نتحسس هذا الاختراق بسهولة، حتى لننسى أنفسنا مع عوالم يرسمها لنا، ويسير بنا عبر الماضي والحاضر، وأحيانا يستشرف المستقبل، فيدمج التاريخي مع الواقعي مع الفلسفي، ويترك المتلقي ليجمع خيوط اللعبة السردية، ويتلذذ بها وصولاً للدلالات التي تتفتح أمامه باستمرار. لهذا يمكن القول؛ إن أقصوصات "كل شيء للبيع" التي قدمها الروائي القاص صبحي فحماوي في هذا الكتاب، تظهر لنا مدى تمكنه، ودربته في كتابة هذه الأنواع من السرديات، ومدى وعيه بعوالم الكتابة.

ومما قاله القاص الروائي صبحي فحماوي، مؤلف الكتاب:

لقد أملت وسائل الاتصالات الحديثة مثل؛ "الرسائل النصية بالخلوي، والفيسبوك، والتويتر، والتانجو، والواتس أب، والإيميل.. وغيرها" استخدام الأقصوصة في الأدب، ذلك لأن أصحاب الأعمال، والمنشغلين بكثافة في عصر السرعة، لم يعد لديهم وقت لقراءة صفحات الأدب المطولة، خاصة في السرديات مثل الرواية، والقصة القصيرة، فصاروا يُضطرون لقراءة الأقصوصة، أو لكتابتها، إذا توفر فيهم الإبداع المرموق، ذلك لأنها عمل فني مُسلٍ وممتع، ومفيد، ومختصِر للزمن، يأتيك مثل ومضة سريعة، باهرة الضوء، قصيرة الوقت.

ونظراً للقِصَر والتكثيف في الكتابة، والتلقي السريع في القراءة، فإن هذا الفن القديم الجديد يشجع المدارس على تقديم هذه القصص ضمن مناهج تعليم الصغار، وحيثما يكونون فإن الكبار يسعدون به.

والأقصوصة هنا هي رسالة قصيرة، يلتهمها قارىء عجول، وهي نص ذكي يخاطب قارئاً ذكياً، خاصة في هذا الجيل الرقمي، سريع التعلم، والذي لا يحتاج إلى خطاب إنشائي إملائي يرتكز على الحشو، والكلام المكرور والمعاد والشروحات و"العنعنات" والتفاسير المطولة، خاصة وأن الشبكة صارت تقدم للباحثين المختصين كل التفاسير المطلوبة. ولقد جسرت الأفلام القصيرة جداً، وأفلام الرسومات المتحركة القصيرة جداً، هذا الفن القصصي، بصفتها مستهلكة له، وجعلته يفرض نفسه في ميدان الأدب.

ولقد ساهم الفيسبوك وغيره بتوصيل الأقصوصة إلى أكبر عدد ممكن من القراء، وليس هذا فحسب، بل وساهم أيضاً في تصحيح بعض الأقصوصات، وصقلها، وخلق نقادا جددا، أصدق أنباء من الكتب..فتحية لمخترع الفيسبوك.

و"الأقصوصة" هي فن أدبي له جذوره العربية العريقة، المتمثلة فيما عرف في تراثنا القديم بـ "التوقيعات"، ومثال ذلك ما كتبه الصاحب بن عباد حين رفع إليه أحدُهم رقعة يذكر أن بعض أعدائه يدخل داره فيسترق السمع، فوقّع فيها: "دارنا هذه خان، يدخلها مَنْ وفى ومن خان."

ويعتبر"المثل" من جذور الأقصوصة، ومن هذه الأمثال:

" تدخل في ما لا يعنيه، فلقي ما لا يرضيه."

وفي باب "الحكمة" نذكر هذه العبارة:

"إذا كنت في كل الأمور معاتباً ** صديقك، لن تلقى الذي ستعاتبه."

وتحدث في الندوة الناقد الدكتور محمد القواسمة فقال إن أقصوصات فحماوي تحوي الكثير من الإيجابيات وفي الوقت نفسه على بعض السلبيات، وذكر منها مثالاً "أقصوصة بعنوان "تضحية". وانتهت الندوة بأسئلة كثيرة.