'كله تمام يا فندم' والرواية البريئة

بقلم: سعيد سالم
قراءة تأملية غير نقدية

تتميز هذه الرواية بالتلقائية الشديدة للراوي والكاتب معا، والتي تصل أحيانا لحد السذاجة البريئة، والتي أكاد أجزم أن القارىء سوف يتلقاها - لهذا السبب - متعاطفا أكثر مما يتلقاها مستنكرا للسبب نفسه، وأستطيع أن أبرر ذلك بوضوح نبرة الصدق الشديد منذ بداية الرواية وحتى نهايتها دونما أدنى افتعال.
إن جلال بطل الرواية، حسن النية بدرجة مذهلة تجاه كل شىء في الحياة. هو حسن النية بالناس وبالثورة وبالقائمين على تنفيذ مبادئها، وبالزعيم، وبكل من يتولى منصبا في الدولة، موقنا أن الجميع يعملون دون شك بوحي من ضمائر نظيفة وقلوب طاهرة تراعي الرب و الحق والعدل. إنه يعيش حلمه الرومانسي محلقا في فضاء الأمل انتظارا لجنة العدل التي بشرت بها الثورة والتي وعد بتحقيقها الزعيم.
وكلما اصطدم في مسيرة حياته الشابة بحقيقة واقعة مزعجة مؤلمة لشدة تناقضها مع الحلم والوعد، أصيب بذهول وارتباك وحيرة، رافضا أن يصدق أنها حقيقة بالفعل. لكن الصدمات كثرت وتعاقبت وتنوعت مؤكدة أنها حقيقة راسخة لاتقبل الشك، حتى أنها دمرت حلمه الشخصي وأمله المشرق في الحياة بالارتباط بحبيبته بعد أن يحصل على الوظيفة التي تقدم إليها بالنيابة، والتي كان واثقا تماما من أحقيته في الحصول عليها بحكم مجموع درجاته العالية التي فاق بها أقرانه الآخرين.
لقد تبين له بوضوح تام أنه كان مغيب الوعي تماما، عما يحدث على أرض الواقع الذي يعيشه، فلا عدالة ولا تكافؤ فرص، وإنما ظلم ووساطات وكيل بأكثر من مكيال.
ولما حاول الشكوى للحصول على حقه - وكان في هذه أيضا حسن النية - وجد نفسه معرضا للبطش والأذى بلا رحمة من زبانية السلطة الذين لا يعبأون إلا بمصالحهم ومصالح ذويهم. عندئذ فقد الأمل في كل شيء وأصبح كغريق فقد الأمل تماما في النجاة.
إن جلال هذا يذكرني بمنصور بطل رواية "الشيء الآخر" الذي كان من المفترض طبقا لمقاييس العدل والإنصاف أن يعين معيدا بكليته، ولكنهم عينوا ابن الدكتور رئيس القسم بدلا منه ظلما وعدوانا ودون حياء.
وبينما غرق جلال في الحيرة والذهول وارتباك والحزن وعدم الرغبة في تصديق ما يحدث، فلم يستطع أن يفعل شيئا على الاطلاق، فإن منصور، بطل "الشىء الآخر"، حاول قدر استطاعته أن يقاوم الدنس المحيط بعالمه بوسائل بعضها إيجابية كالانضمام إلى إحدى الجماعات، وبعضها سلبية كاللجوء إلى أحلام اليقظة، حتى انتهى به المطاف إلى قتل خصمه دون أن يدرى إن كانت تلك الجريمة حقيقة أم حلما.
ومن الملفت للنظر أن يرد ذكر عبدالحميد شتا المنتحر في رواية "الشيء الآخر" كجزء من متن الرواية، ثم يعود فيجيء عند رشاد بلال كإهداء على روح الفقيد الشاب ضحية نفس الظلم الذي تعرض له كل من جلال ومنصور.
إن أكثر ما أبهرني في هذه الرواية هو البراءة الشديدة للبطل والممتزجة بتلقائيته في السرد لأحداث هي في حقيقة الأمر عادية جدا، ولكننا نقف متأملين في الكثير من أحداثها، وقد انتقلت إلينا دهشة الراوي وحيرته وذهوله رغم أننا نعايش مثل هذه الأحداث الصادمة كل يوم.
أما أكثر ما أرهقني في هذه الرواية، فهو التفاصيل المملة لأشياء وأماكن وأحداث وأسماء لا مبرر لذكرها على الإطلاق، لأنها غير مؤثرة في الأحداث، لا تزيد عليها شيئا ولا تنقص منها، كأن يحدثنا (ص 107) قائلا:
"وقبل أن أنام بعد الغداء عادة استمعت قليلا إلى المذياع، وأنا بعد هواية القراءة أحب أن أستمع إلى الاذاعة، وقد صرت ملما بملامح كل محطة إذاعية، وأعرف مواعيد البرامج التي أحبها فأواظب على الاستماع إليها. وأنا في الصباح أثناء حلاقة ذقني ثم الإفطار ثم ارتداء ملابس الخروج أستمع إلى إذاعة الشرق الأوسط وهي إذاعة حديثة.. الخ".
تفاصيل مملة قاتلة لا مبرر لها على الإطلاق، والحق أنها جعلتني أكاد أن انصرف عن تكملة الرواية، لولا أن صبرت عليها حتى اكتشفت موطن الجمال الحقيقي فيها والذي سبق أن أشرت اليه.
إن هذه الرواية، لو اختصرت إلى النصف تقريبا، لكانت في منتهى الروعة خاصة أن مقدماتها أدت في سلاسة وتلقائية إلى النهاية المحتومة يوم 5 يونيو/حزيران.
أريد أن أنبه المؤلف رشاد بلال إلى أننا نعيش عصر الفمتو ثانية، وأنه لن يجد القارىء الذي يصبر على قراءة تفاصيل غير هامة تشغل نصف صفحات رواية بلغ عدد صفحاتها 459 صفحة.
إن أول مرة استمعت فيها إلى مصطلح "الرواية البريئة" كانت على لسان الدكتور أحمد صبرة، وأعتقد أن هذا المصطلح ينطبق بحذافيره على رواية رشاد بلال الممتعة. سعيد سالم ـ روائي مصري