'كلمة' يقدم 'العلامة' التي تؤرخ لرحلة الإنسان مع الرموز

كتب ـ أحمد فضل شبلول
الصوت الذي يحدثنا الله عبره عن قدرته

"هذا كتاب له طابع خاص، فهو لا يقدم تاريخا خاصا بالنظريات السيميائية التي عرفتها الأزمنة المعاصرة، ولا يحدثنا عن المردودية التحليلية للمنهج السيميائي ـ إن كان هناك حقا منهج سيميائي ـ ولا يحدثنا عن الأسماء الكبيرة التي صنعت مجد السيميائيات الحديثة وشهرتها، وإنما يكتفي بتأمل تجربة إنسانية شاملة" كما يقول سعيد بنكراد في ترجمته لكتاب "العلامة: تحليل المفهوم وتاريخه"، للكاتب الإيطالي والروائي أمبرتو إيكو والذي صدرت ترجمته عن مشروع الترجمة "كلمة" بالتعاون مع المركز الثقافي العربي، والذي تضطلع بأعبائه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.
وهو كتاب يتأمل محاولات الإنسان المضنية من أجل التخلص من براثن طبيعة هوجاء لا ترحم لكي يحتمي بعالم ثقافي (رمزي) يمنحه الدفء والطمأنينة، ويوفر له التفاسير الممكنة للظواهر الطبيعية والاجتماعية على حد سواء.
ويوضح المترجم في مقدمته أن الكتاب يعد تأريخا لرحلة الإنسان مع الرموز وأشكالها المتعددة، وتأريخا للرؤى الدينية والفلسفية التي رأت في الطبيعة رموزا تنوب عن قوى أخرى غير مرئية، أو (هي الصوت الذي يحدثنا الله عبره عن قدرته) كما هو شائع في كل الديانات السماوية المعروفة.
ويشير المترجم إلى أن التاريخ لا يحضر في هذا الكتاب باعتباره تسييجا لمحطات مرئية ومثبتة في التاريخ العام، بل يمثل أمامنا باعتباره كما زمنيا نقيس من خلاله درجة نمو الأشكال الرمزية وتطورها وتعقيداتها المتصاعدة.
وبالإحالة إلى إيكو فإن "العلامة توجد كلما استعمل الإنسان شيئا ما محل شيء آخر"، وتلك هي الأسس التي انبنى عليها المجتمع ذاته الذي لا يمكن أن تقوم له قائمة إذا لم يخلق سننه وشفراته الخاصة التي يعتمدها الأفراد المنتمون إليه للتواصل فيما بينهم، وهي التي تسمح لهم بتبادل الدلالات واستهلاكها.
وعلى هذا فإن العلامة هي الشكل الرمزي الأمثل الذي يقوم بدور وسيط بين الإنسان وعالمه الخارجي، وهي الأداة التي يستعملها في تنظيم تجربته بعيدا عن الإكراهات التي يفرضها الاحتكاك المباشر مع معطيات الطبيعة الخام، كما أن العلامة هي الأداة التي من خلالها تأنسن الإنسان وانفلت من ربقة الطبيعة ليلج عالم الثقافة الرحب الذي سيهبه طاقات تعبيرية.
وهناك اتفاق على أن الإنسان ليس هو من يصوغ اللغة من أجل السيطرة على الأشياء، بل الأشياء (الطبيعة أو الكائن) هي التي تتبدى من خلال اللغة، فاللغة هي صوت الكينونة، والحقيقة ليست شيئا آخر سوى الكشف عن الكينونة من خلال اللغة، وإذا كانت وجهة النظر هذه صحيحة فلا مكان للسيميائيات أو نظرية للعلامات، ولكن الأمور ليست بهذه البساطة لأن السنن الثقافية (الأشكال الرمزية) لا تنمو خارج ملكوت الممارسة الإنسانية، فالعلامات هي إفراز للفعل المفرد والجماعي، وليست كما سلوكيا مودعا في ذاكرة الإنسان خارج تفاعله الحي مع محيطه الطبيعي والإنساني.
وقع الكتاب في 288 صفحة واحتوى على تقديم المترجم ومدخل وخمسة فصول وقائمة المراجع.
يفتتح إيكو مدخله بعبارة يونيسكو "المهم هو الكلمات، أما الباقي فمجرد لغو".
ويتحدث في الفصل الأول عن السيرورة السيميائية، متوقفا عند العلامة باعتبارها عنصرا داخل السيرورة التواصلية، والعلامة باعتبارها عنصرا داخل سيرورة دلالية، ويشير إلى مثلث المدلول والدال والمرجع، ثم يتحدث عن ثلاث نظرات في تصور العلامة هي: الدلالة والتركيب والتداول. ثم يوضح فحوى الوحدة السيميائية الدنيا.
ويتعرض في الفصل الثاني لتصنيف العلامة، متوقفا عند مصدر العلامة، والدلالة والاستنتاج، ودرجة الخصوصية السيميائية (أو علامات يستعمل دالها لغايات غير سيميائية) والقصدية ودرجة وعي الباث، والقناة الطبيعية وجهاز الالتقاط الإنساني، والعلاقة مع المدلول، وإنتاجية الدوال، ونوعية العلاقة المفترضة مع المرجع، والسلوك الذي تثيره العلامة عند المتلقي، ووظائف الخطاب، وأخيرا يتحدث إيكو في هذا الفصل عن تصنيف عام للعلامات.
ويتناول الفصل الثالث المقاربة البنيوية، وفيه يتحدث إيكو عن اللسان باعتباره سننا وبنية، والإبدال والمركب أو التمفصلات، والتقابل والاختلاف، والبنية بصفتها نموذجا، والوظيفة السيميائية، والتقرير والإيحاء، والشكل والمادة والمتصل، والسمات الدلالية، ونسق المضمون، والقاموس والموسوعة، والوحدات الثقافية، وأخيرا الموسوعة والنسق الدلالي الشامل.
أما أنماط الإنتاج السيميائي فهو موضوع الفصل الرابع، وفيه يتحدث إيكو عن تمفصل العلامات غير اللسانية، ومحدودية النموذج اللساني، ويميز بين أنواع العمل المادي مثل: التعرف والتجسد والنسخة.
وفي الفصل الخامس والأخير يتوقف إيكو عند القضايا الفلسفية للعلامة ومنها: الإنسان حيوان رمزي، والطبيعة بصفتها لغة إلهية، واللغة باعتبارها صوتا للكينونة، كما يتحدث عن آثار الكتابة والعلاقة بين العلامة والفكر والواقع، مشيرا إلى قوانين العلامة وقوانين الفكر، وغير ذلك من موضوعات على طريق العلامة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية