'كلمة' يترجم 'صخرتا الزمن' لـ سيفن جي غولد

صخرتان راسختان

أبوظبي ـ صدر حديثًا بالعربية عن مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث كتاب جديد بعنوان "صخرتا الزمن: العلم والدين في امتلاء الحياة"، للمؤلف ستيفن جَيْ غولد.
ويتناول الكتاب موضوعاً حسّاساً يلمِّح له العنوان هو موضوعُ العلاقة بين العلم والدّين. ومن المعروف أن هذه العلاقة قد شابتها في العصور الوسطى وعصر النهضة في أوروبا بعضُ التوتَُّرات التي تمثَّلت في أشهر الأمثلة عليها في اضطرار غاليليو للتنصُّل من آرائه العلمية تحت ضغط الكنيسة، والتي تمثَّلت في أميركا في القرن العشرين بالصراع بين المؤمنين بالقراءة الحرفية لما يرد في الكتاب المقدَّس وما تقوله نظرية التطوُّر التي جاء بها دارْوِن.
والحلُّ الذي يقترحه المؤلِّف لا يتمثَّل في أن يتنازل أحدُ الجانبين للآخر عمّا يرى أنه هو الصواب، بل هو أن يجري الفصلُ بين الحقلين فصلاً تامّاً بحيث لا يبحث العلم في أمور الدّين ولا يبحث الدّين في أمور العلم. فمثلما أن العالِم لا يملك الحقَّ في الإفتاء في أمور الدّين، كذلك لا يملك عالم اللاهوت الحقَّ في أن يفتي في الأمور التي يتناولها العلم الطبيعي.
والمؤلِّف لا يدَّعي أن الحلَّ الذي يقترحه جديد. أما الجديد فيه فهو الأمثلة التي يختارها للتمثيل على ضرورة الفصل بين الحقلين. ومن أطرف ما في الكتاب استشهادُه بالعديد من رجال العلم الذين كانوا في الوقت نفسه من رجال الكنيسة، وتأكيدُه على أن الكنيسة الكاثوليكية مثلاً قد قبلت نظرية التطوُّر على أنها أمرٌ مفروغٌ منه، من دون التخلّي عن واجباتها الدينية. وليس ذلك مطلوباً منها لأن العلم والدّين صخرتان راسختان لا يتحقَّق امتلاء الحياة من دونهما بشرط ألا يتعدّى أيٌّ من الحقلين على الحقل الآخر.
وقد يكون من المفيد أن نلاحظ أن قضية تشبه هذه، شغلت العالم الإسلامي في وقت من الأوقات. وكان الصراع آنئذٍ بين الدّين والفلسفة (أمِّ العلوم). واضطُرَّ الفيلسوف ابن رشد لأنْ يحاول التوفيق بينهما في رسالته المعنونة "فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتِّصال". غير أن الاتِّصال عنده لا يمكن إلاّ إذا قبلنا بمبدأ التأويل، أي القراءة غير الحرفية للنصوص الدينية. ولا يخفى أن الشبه بين الموقفين القديم والحديث كبير.
ولد مؤلف الكتاب ستيفن جَيْ غولْد في مدينة نيويورك في سنة 1941 وتوفِّي في سنة 2002. قضى معظم حياته الأكاديمية في جامعة هارﭬﺮد، وعمل أيضاً في متحف التاريخ الطبيعي الأميركي وفي جامعة نيويورك. تخصَّص في علم الإحاثة، وله مساهمات مهمة في مجال تخصُّصه، ولكنه عُرف على نطاق واسع كاتباً لمقالات تبسِّط المفاهيم العلمية لعامة القرّاء. وحاز على جوائز عديدة، وخاض حملة ناجحة ضدَّ التزمُّت في تفسير النصوص الدينية. وكتابه "صخرتا الزمن" أحد هذه الكتب التي تروِّج لأفكاره الداعية إلى فصل العلم عن الدّين.
ترجم الكتاب الدكتور محمد عصفور، وُلِدَ في عين غزال بحيفا في سنة 1940، ودَرَسَ في جامعة بغداد وجامعة إنديانا بالولايات المتّّحدة، وعمل في عددٍ من الجامعات العربية. ترجم العديد من الكتب منها صيادون في شارع ضيِّق، البدائية، مفاهيم نقدية، تشريح النقد، فجر العلم الحديث، الأمة والرواية. أما آخر كتاب ترجمه فهو لطلال أسد، وسيصدر قريباً في بيروت. أما في مجال التأليف فقد نشر عدداً كبيراً من الأبحاث باللغة الإنكليزية، وصدر له مؤخَّراً كتابان بالعربية أحدهما بعنوان "نرجس والمرايا" عن جبرا، والآخر بعنوان "دراسات في الترجمة ونقدها".