كلمة عباس أمام الأمم المتحدة: خطاب سياسي هابط وخطوة إلى الخلف

ألقى السيد محمود عباس كلمة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السنوية للعام 2016 (22/9/2016)، تناول فيها القضية الوطنية الفلسطينية بخطاب سياسي هابط، شكل خروجاً على مواقف الائتلاف الوطني الفلسطيني كما عكستها قرارات اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي الفلسطيني (5/3/2015) ووثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني (26/6/2006) وبرنامج الإجماع الوطني في المجالس الوطنية المتعاقبة، وأعاد فيها الإلتزام بإتفاقات أوسلو وبروتوكول باريس الإقتصادي، وجدد رهانه على العملية السياسية الميتة مع الجانب الإسرائيلي، ورهانه على المشاريع السياسية الغامضة، كمشروع مؤتمر باريس الذي من المحتمل إنعقاده في نهاية العام الحالي. كما حمل خطابه سلسلة من التناقضات السياسية الفاضحة، بين القول من جهة بالإلتزام بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، والتأكيد من جهة أخرى الإلتزام بالإتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، في أوسلو، وغيرها.

الدوائر السياسية المقربة من عباس أشارت إلى أن خطابه سيحمل في طياته مفاجآت. ليتبين أن المفاجآت التي حملها هي تراجعه عن خطاب العام الماضي، وتجاهله لقرارات المجلس المركزي، ووثيقة الوفاق الوطني، وتجديد الإلتزام بمشروع أوسلو، ومواصلة الرهان على العملية السياسية التي لفظت أنفاسها ورحلت إلى الطريق المسدود، مع فشل مفاوضات الأشهر التسعة برعاية وزير الخارجية الأميركي جون كيري، و«إعتذار» الولايات المتحدة عن متابعتها للقضية الفلسطينية وتكليف الجانب الفرنسي ملء الفراغ بمبادرة، أكد «بيان باريس» أنها فاقدة لأي مضمون يكفل الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

فيما يلي قراءة سياسية في كلمة رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

(1)

القانون الدولي والشرعية الدولية وإتفاقات أوسلو

■ أشار أبو مازن في مستهل كلمته إلى الإلتزام الفلسطيني بالقانون الدولي والشرعية الدولية وقراراتها، ثم يضيف في موقع لاحق قائلاً «نحن لا زلنا ملتزمين بالإتفاقيات الموقعة مع إسرائيل منذ العام 1993» ويدعو إسرائيل «لأن تبادلنا هذا الإلتزام».

يتجاوز أبو مازن هنا مسألتين هامتين:

• الأولى أن إتفاق أوسلو، الذي شارك في المباحثات السرّية للوصول إليه في 13/9/1993 شكل إنقلاباً سياسياً سافراً على القانون الدولي وعلى قرارات الشرعية الدولية، وفي السياق نفسه على البرنامج الوطني الفلسطيني الذي إلتزم الشرعية الدولية كأساس لحل مرحلي مع الإحتلال على طريق المشروع الوطني الناجز للمسألة الفلسطينية. فإتفاق أوسلو خالف قرارات الشرعية الدولية بما في ذلك القرارات 242 و338، حين حوّل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 إلى أرض «متنازع عليها»، وحين تجاهل قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948، وحين أسقط من حسابات القضية الوطنية أبناء الشعب الفلسطيني في مناطق 48 وحولهم من جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني إلى مجرد «عرب إسرائيل» وفقاً للإدعاء الصهيوني.

• الثانية أنه في موقفه هذا تراجع إلى الخلف خطوات سياسية واسعة مقارنة مع خطابه العام الماضي أمام المنظمة الدولية، حين أكد أن الإلتزام الإسرائيلي بالإتفاقات الموقعة، هو شرط للإلتزام الفلسطيني المقابل، هنا يعترف أبو مازن بأن إسرائيل لم تلتزم بالإتفاقيات الموقعة، كما يعترف أن الإلتزام مازال قائما من طرف واحد، هي السلطة الفلسطينية، وبالتالي فإن أبو مازن لم يستخلص ما كان عليه إستخلاصه، ولم يعلن للعالم ما كان عليه أن يعلنه، وهو أنه مادامت إسرائيل لم تلتزم بالإتفاقيات، فإن الجانب الفلسطيني يعلن تحرره من أي إلتزام مماثل، الأمر الذي كان يستدعي أن يعيد أبو مازن التمسك بقرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في 5/3/2015 والإنتقال إلى تنفيذها، والتي كان قد وصفها في خطابه العام الماضي بأنها «مقدسة» وهي تنص على التالي:

أ‌) وقف التنسيق الأمني مع سلطات الإحتلال الإسرائيلي.

ب‌) الإنفكاك عن الإقتصاد الإسرائيلي والعمل على بناء إقتصاد وطني فلسطيني متحرر من التبعية لإقتصاد إسرائيل.

ج) تدويل قضية الأسرى بإعتبارها جريمة حرب بالتوجه بمشاريع قرارات وشكاوي فاعلة إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والمجلس الدولي لحقوق الإنسان ومحكمة الجنايات الدولية.

د) تدويل قضية الإستيطان، بإعتبارها جريمة حرب، عبر التوجه بمشاريع قرارات وشكاوى فاعلة، إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية.

هـ) تدويل قضية الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، بإعتبارها جريمة حرب هي الأخرى، عبر التوجه بمشاريع قرارات وشكاوى فاعلة إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية.

و) دعم وتعزيز الإنتفاضة الشعبية في مواجهة الإحتلال والإستيطان في الدفاع عن مصالح شعبنا اليومية وحقوقه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف.

ز) تقديم مشروع قرار جديد إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة الإرتقاء بعضوية فلسطين في الأمم المتحدة عضوية عاملة إستناداً إلى القرار 19/67 العام 2012، والبناء على ذلك بمشروع قرار جديد شامل بإنعقاد مؤتمر دولي للقضية الفلسطينية تحت رعاية الأمم المتحدة والدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن، وبموجب قرارات الشرعية ذات الصلة التي تضمن لشعبنا حقوقه الوطنية المشروعة وغير القابلة للتصرف، وبدولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس. بحدود 4 حزيران (يونيو) 67 وحق اللاجئين بالعودة بموجب القرار الأممي 194، والمطالبة بتوفير الحماية الدولية لشعبنا وأرضه ضد الإحتلال والإستيطان.

(2)

الطرق الديبلوماسية وإتفاق أوسلو

■ يؤكد أبو مازن الإلتزام بالطرق السلمية والدبلوماسية، لكنه يتجاهل أن سياسته في هذا السياق، إلتزمت المفاوضات الثنائية مع الجانب الإسرائيلي، تحت الرعاية المنفردة للولايات المتحدة، وخارج رعاية المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وقراراتها ذات الصلة التي أقرت بالحقوق الوطنية المشروع لشعبنا، وغير القابلة للتصرف.

إن أوسلو، لا يشكل مدخلاً للحل الدبلوماسي والسياسي، بل أقصر الطرق لتوفير الغطاء السياسي من الجانب الفلسطيني لجرائم الإحتلال الإسرائيلي ضد شعبنا وأرضنا، إن سلوك الطريق الدبلوماسي والسياسي، تحت سقف القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية من خلال الأمم المتحدة والمحافل الدولية كافةً، كما جاء في خطاب أبو مازن، يتطلب ليكسب مصداقية، ولا يبقى مجرد شعار، التحرر من إتفاق أوسلو، وبروتوكول باريس الإقتصادي وملحقاتها، والإلتزام بتنفيذ قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية (5/3/2015) واللجنة التنفيذية، كما أشرنا إليها أعلاه، أي بتعبير آخر، مغادرة مشروع أوسلو ومفاوضات 23 عاماً العقيمة ومن فشل إلى فشل على الجانب الفلسطيني، والعودة إلى برنامج العمل الوطني الفلسطيني، الموَّحد والموحِّد، والذي يفتح الآفاق الواسعة لكل أشكال النضال المشروعة لشعبنا، كما نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني التي أجمع عليها شعبنا وقواه السياسية وفعالياته المدنية والإجتماعية في 26/6/2006.

(3)

تعطيل الوصول إلى حل دائم

■ يحمل أبو مازن إسرائيل مسؤولية تعطيل الوصول إلى حل لقضايا الوضع الدائم، خلال خمس سنوات بموجب إتفاق أوسلو، ويقول إنها تنكرت للإتفاقات التي وقعت عليها ولازالت تمعن في إحتلالها للأرض الفلسطينية. لكنه بالمقابل يتجاهل أنه عندما حل موعد إطلاق مفاوضات الحل الدائم في العام 1996 (بموجب نصوص أوسلو) تواطأت القيادة الفلسطينية المتنفذة (والتي كان أبو مازن أحد أركان مطبخها السياسي) مع شمعون بيريس، وإتفقت معه على تأجيل المفاوضات إلى ما بعد الإنتخابات الإسرائيلية التشريعية المبكرة، في خطوة أرادت بها هذه القيادة أن تدعم بيريس وحزب العمل في مواجه بنيامين نتنياهو وحزب الليكود، في رهان منها على الوصول إلى حل مع «العمل» بإعتباره المؤهل للإتفاق على التسوية. النتيجة كانت أن الجانب الفلسطيني قدم نفسه طرفاً في معركة إنتخابية خاسرة، فاز فيها نتنياهو، وتعطلت مفاوضات الحل الدائم وتحولت على مدى ربع قرن إلى مفاوضات عقيمة، وعبثية، توفر الغطاء السياسي للإحتلال والإستيطان. العجيب أن القيادة المتنفذة وعلى رأسها أبو مازن، رغم كل هذا، ورغم مماطلة الإحتلال وتعطيله الإتفاق الموقعة. مازالت تلتزم إتفاقات طواها الجانب الإسرائيلي جانباً، ولجأ بدلاً منها إلى إجراءات من جانب واحد، ضارباً عرض الحائط، ليس بالإتفاقات الموقعة، فحسب بل وبكل المواثيق والقوانين الدولية وقرارات الشرعية الدولية. دون أن تبادر القيادة الفلسطينية إلى أية خطوة، تحفظ الحقوق والمصالح الوطنية لشعبنا، المصابة بحالة من الجمود السياسي، وتوقفت عند إتفاقات أوسلو، ولا تغادرها نحو البدائل الوطنية كما أقرتها مؤسسات م.ت.ف، ومنها قرارات المجلس المركزي (5/3/2015) وبرامج الإجماع الوطني بالحوار الشامل آذار/مارس 2005 في القاهرة، 26حزيران/ يونيو2006 في غزة، نوفمبر/ تشرين الثاني 2009 في القاهرة، 2آيار/ مايو2011 في القاهرة.

(4)

عن الإستيطان

■ بشأن الإستيطان الذي يصفه أبو مازن بأنه «غير شرعي جملة وتفصيلاً»، يكرر وعوده بأنه سيقوم بطرح مشروع قرار حول هذا الإستيطان وحول إرهاب المستوطنين على مجلس الأمن. دون أن يرسم سقفاً زمنياً أو موعداً لهذه الخطوة. وهو بذلك يكرر تصريحات سابقة كان قد أدلى به هو نفسه، كما أدلى بها عدد من مساعديه، كوزير خارجية السلطة الفلسطينية، رياض المالكي، وأمين سر اللجنة التنفيذية صائب عريقات رئيس لجنة المفاوضات في التنفيذية منذ أكثر من عامين، كما أدلى بها ممثل فلسطين في الأمم المتحدة رياض منصور، دون أن يتحدد موعد هذه الخطوة. علماً أن المالكي إعترف أمام وسائل الإعلام أن السلطة الفلسطينية تتعرض لضغوط عربية ودولية لعدم القيام بهذه الخطوة، مرة بذريعة عدم التشويش على التحرك الفرنسي لعقد ما تسميه باريس المؤتمر الدولي الذي من المحتمل الدعوة له نهاية هذا العام، ومرة أخرى بذريعة عدم الإصطدام بالفيتو الأميركي في مجلس الأمن. وعندما يتمنى أبو مازن في خطابه أن لا يستخدم أحد الفيتو، فإنه يشير بطبيعة الحال وضمناً إلى الموقف الأميركي وإلى الضغوط التي تمارس على القيادة الفلسطينية، الأمر الذي يضع علامة إستفهام كبرى على عبارته في مقدمة الخطاب حول «القرار الفلسطيني المستقل» وفي أي إتجاه يمارس هذا القرار مادام لا يزال ملتزماً الإتفاق مع إسرائيل من جانب واحد، ويلتزم قيود هذه الإتفاقات، ومازال ملتزماً العملية السياسية، خارج نطاق الشرعية الدولية، التي أثبتت فشلها، ومادام يعطل التوجه نحو مجلس الأمن بشأن الإستيطان، في مراعاة للفيتو الأميركي.

الإستيطان تضاعف في القدس والضفة الفلسطينية أكثر من ثماني مرات من أوسلو ( 97 ألف) إلى أكثر من 800 ألف في يومنا فضلاً عن كثافة إستعمار التهويد في القدس العربية المحتلة.

(5)

عن التمييز العنصري

■ وفي معرض حديثه عن «التمييز العنصري» في المناطق المحتلة، وقع أبو مازن في مطب سياسي خطير، حين قارن بين ما تمنحه سلطات الإحتلال من «تسهيلات» للمستوطنين في المناطق المحتلة، وما تمارسه من تضيق على المواطنين الفلسطينيين في مجالات البناء والإقتصاد والبنية التحتية وغيرها. وكأنه بذلك يدعو للمساواة بين المواطنين الفلسطينيين والمستوطنين، وكأن المستوطنين يملكون الحق في إستيطان الأرض الفلسطينية. كان يفترض بالخطاب أن يدعو إلى وقف الإستيطان، وتفكيك المستوطنات، ورحيل المستوطنين بإعتبارهم يشكلون الوجه الآخر للإحتلال. وإذا كان الإستيطان غير شرعي، فإن وجود المستوطنين على الأرض الفلسطينية هو غير شرعي. كلام أبو مازن يحمل في طياته إشارة للإستعداد للمساومة على هذه النقطة، في العودة إلى مبدأ «تبادل الأرض» عند رسم الحدود، مما يوحي بموافقة مسبقة على ضم المستوطنات إلى دولة الإحتلال، مقابل خطوة مماثلة تقوم بها إسرائيل، بحيث تضم إلى مناطق السلطة بعض المناطق المكتظة بالسكان الفلسطينيين كأم الفحم ووادي عارة وغيرها، بكل ما تحمله هذه الخطوة من خطورة أشارت لها العديد من الدراسات الجغرافية والديمغرافية، كما حذرت منها القيادات الوطنية الفلسطينية في مناطق الـ 48 وقدمت بها مذكرات إلى القيادة الفلسطينية.

(6)

الحماية الدولية

■ كما يكرر أبو مازن، وكذلك مساعدوه، إن داخل السلطة أو في المنظمة الدولية، الدعوة لتوفير الحماية الدولية لشعبنا ضد الإحتلال والإستيطان، ورغم أن الأبواب القانونية أمام هذا الطلب مفتوحة دولياً بموجب القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة وتجارب شعوب أخرى، إلا أن هذا الأمر يستدعي معركة سياسية يتطلب خوضها إدراجها في إستراتيجية سياسية جديدة وبديلة لإستراتيجية أوسلو والإلتزام بقيوده. وبالتالي فإن الحديث عن الإلتزام بالإتفاقات الموقعة يتناقض في جوهره ومضمونه مع الحديث عن مطالبة المجتمع الدولي بتوفير الحماية للشعب الفلسطيني، وتتحول هذه الدعوة، غير المستندة إلى خطوات إجرائية وعملية «وتقديم مشروع قرار جديد للأمم المتحدة بالحماية الدولية وقوات دولية إلى القدس والضفة وقطاع غزة»، إلى مجرد كلام في الهواء، لا قيمة سياسية عملية له سوى التهرب من الإستحقاقات السياسية والكفاحية التي يتطلبها إتباع سياسة جديدة وبديلة لأوسلو، رسمت ملامحها قرارات المجلس المركزي (5/3/2015) ووثيقة الوفاق الوطني (26/6/2006).

(7)

المؤتمر الدولي

■ يواصل أبو مازن في كلمته أمام الجمعية العامة سياسة الخلط بين المؤتمر الدولي الذي قرر المجلس المركزي الدعوة له لحل القضية الفلسطينية، وذلك المؤتمر الوارد ذكره في المبادرة الفرنسية والذي من المحتمل إنعقاده نهاية العام الحالي.

فالأول يتم تحت رعاية الأمم المتحدة والدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية ومجلس أمنها، وتحت سقف قراراتها ذات الصلة بالقضية الفلسطينية والتي تضمن الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا الفلسطيني، غير القابلة للتصرف، بما فيها حقه في دولة مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس بحدود 4 حزيران (يونيو) 67، وحق اللاجئين في العودة بموجب القرار 194. وبين مؤتمر تحضره 28 دولة، دون رعاية الأمم المتحدة، وخارج قراراتها، وتحت سقف بيان باريس، الذي إفتقر إلى تحديد الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وإلى آليات العمل للوصول إلى هذه الحقوق، والذي حاول أن يوازن بين «مصالح» الإحتلال، والمصالح الوطنية لشعب فلسطين. ونعتقد أن أية محاولة لمراعاة ما يسمى مصالح الإحتلال لا يمكن أن تتم إلا على حساب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. حتى أبو مازن إعترف في مكان آخر، أن هناك من يضغط لعرقلة مؤتمر باريس، ومرة أخرى، يقصد الولايات المتحدة ويتحاشى أن يسميها، لكونه مقيداً بقيود إتفاقات أوسلو وملحقاتها، وقيود الإحتلال والشروط الأميركية.ـ

(8)

الإعتراف المتبادل

■ يسجل أبو مازن على إسرائيل أنها لا تعترف بالدولة الفلسطينية، مقابل إعتراف الجانب الفلسطيني بإسرائيل.

ويتجاهل أبو مازن في هذا الصدد أكثر من نقطة تفترض أن نلفت النظر إليها:

أ‌) الإعتراف بإسرائيل تم في 9/9/1993 من قبل القيادة المتنفذة في م.ت.ف وبنص يتجاوز الإعتراف بها كدولة إلى «الإعتراف بحقها في الوجود» وهو النص الذي فرضه الجانب الإسرائيلي، ورضخت له القيادة المتنفذة من وراء ظهر الهيئات الشرعية في م.ت.ف وخلافاً لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دوراته المتعاقبة.

ب) إعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير كممثل للفلسطينيين، دون أي ذكر لموقعها «الشرعي والوحيد»، ودون أي ذكر «لشعب فلسطيني» وهو إعتراف ناقص القيمة السياسية ولا يتساوى إطلاقاً مع النص الفلسطيني للإعتراف بإسرائيل،

ج) حين تقدمت الرباعية الدولية بخطة خارطة الطريق (نيسان/أبريل 2003)، سارع ابو مازن، يوم كان رئيساً لحكومة السلطة، إلى الموافقة على الخطة، وعلى فصلها الأول الذي ينص على تبادل الأعتراف بين «الدولتين». أبو مازن جدد إعتراف السلطة والدولة الفلسطينية بإسرائيل، مستبقاً بذلك الخطوة الإسرائيلية التي لم تتحقق حتى الآن. إذ كان يفترض، وفقاً لخطة الطريق، أن يتم الإعتراف المتبادل في وقف متزامن، وبالتالي أن يرهن أبو مازن إعترافه بإسرائيل بإعترافها هي بالدولة الفلسطينية. وها هو بعد 13 سنة من الكشف عن خطة خارطة الطريق يطالب إسرائيل بالإعتراف بالدولة الفلسطينية دون جدوى، ودون أن يعترف أمام شعبه بالخطأ الكبير الذي إرتكبه عام 2003، حين تسلم خطة خارطة الطريق.

(9)

قضية اللاجئين

■ يتحدث أبو مازن عما يسميه «الحل الخلاق لقضية اللاجئين» وهي عبارة شديدة الغموض، تحمل في طياتها الكثير من الإشارات المتناقضة. ونعتقد أنه على أبو مازن، كما يتحدث صراحة عن الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة عليه ان يتحدث عن حل قضية اللاجئين بما يضمن لهم حقوقهم في العودة إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها من منذ العام 1948، وذلك تطبيقاً للقرار الأممي 194.

هذا ما أقره المجلس المركزي الفلسطيني في 5/3/2015، وهذا ما قررته المجالس الوطنية الفلسطينية المتعاقبة، وهذا ما قررته وثيقة الوفاق الوطني(26/6/2006). وهذا ما أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار 19/67 لعام2012 أما التلويح بعبارات غامضة، فهو أمر لا يخدم القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، بما فيها حق العودة للاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948.

(10)

وعد بلفور والقرار 181

■ يواصل أبو مازن الإشارة إلى وعد بلفور، وإلى القرار 181 وهما قضيتان تستحقان الاهتمام الضروري من قبل الهيئات الوطنية وإدراج هاتين القضيتين في إطار المشروع الوطني كأساس لتحرك سياسي ودبلوماسي كفاحي لصالح القضية والحقوق الوطنية.

إن إكثار الحديث عن هاتين القضيتين دون أن يتم إدراجهما في مشروع وطني فلسطيني، متحرر من قيود أوسلو، ويستند إلى قرارات الشرعية الدولية التي تكفل لشعبنا حقوقه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف، يحول الأمر إلى مجرد كلام دون أي جدوى، وبما يفقد هاتين القضيتين أهميتهما السياسية في خدمة قضية شعبنا وحقوقه الوطنية.

(11)

الزج بالقضية الوطنية في حروب المحاور العربية

■ في تناوله لبعض الشؤون العربية، إتبع أبو مازن موقفين متناقضين الأول كان صائباً، والثاني نعتقد أنه يضر بالقضية الوطنية. في الأول دعا إلى حلول سياسية تنهي الأزمات في كل من سوريا والعراق وليبيا وغيرها. أما في الثاني فقد إنحاز إلى محور إقليمي من محاور الصراع الإقليمي، وهو موقف يشكل خروجاً عن السياسة الفلسطينية الداعية إلى عدم زج القضية الوطنية في صراع المحاور العربية والإقليمية والدولية. إن موقف أبو مازن لا يعكس موقف م.ت.ف، الإئتلافية ولا يعكس سياسة القواسم المشتركة كما هو متفاهم عليه في مؤسسات م.ت.ف.

(12)

مشاريع عملية

■ كما يفترض، لترجمة دعوته لحصول دولة فلسطين على العضوية العاملة في الأمم المتحدة أن يتم التقدم بمشروع قرار جديد مبني على قرار الإعتراف بدولة فلسطين عضواً مراقباً في الأمم المتحدة 19/67 في نوفمبر2012 إلى مجلس الأمن الدولي، علماً أن أبو مازن فوت الفرصة على نيل العضوية العاملة منذ مطلع العام 2013، حين توفرت داخل مجلس الأمن الأغلبية اللازمة (9 أعضاء) لعرض مشروع القرار على التصويت، لكن الخوف من الإصطدام بالفيتو الأميركي مازال يشكل السبب الذي لأجله تتردد القيادة المتنفذة في تحويل الدعوة إلى مشروع قرار يقدم لمجلس الأمن، وما جاء في خطاب أبو مازن بهذا الشأن يشكل مراوحة في المكان أنه دعوة دون تقديم مشروع القرار الجديد كما ورد في قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير وقرارات اللجنة التنفيذية والإجماع الوطني، وتهرباً من الإستحقاق الذي تتطلبه الخطوة اللازمة.

■ كذلك يفترض بأبو مازن، ليعطي القيمة العملية لدعوته لتحويل العام 2017، عاماً لإنهاء الإحتلال الإسرائيلي لأرضنا، وشعبنا، أن يحول هذه الدعوة إلى مشروع قرار يتم تبنيه في مجلس الأمن أو في الأمم المتحدة، الأمر الذي يتطلب بالضرورة إتباع سياسة كفاحية جديدة، لا تراهن على مشروع أوسلو، ولا على مبادرات دولية غامضة ومجهولة النتائج، بل تعتمد تنفيذ قرارات المجلس المركزي (5/3/2015) وقرارات اللجنة التنفيذية.

■ ■ ■

إن كلمة أبو مازن في الأمم المتحدة في دورة هذا العام (2016) شكلت خطوات واسعة إلى الخلف، وحملت في طياتها خطاباً سياسياً هابطاً، فيه الكثير من الأماني، وفيه القليل من الإرادة السياسية وتقديم مشاريع القرارات الثلاث الجديدة للتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة (الإعتراف بالعضوية العامة، الحماية الدولية، المؤتمر الدولي لحل قضايا الصراع الفلسطيني والعربي ـــــــ الإسرائيلي) وهو في كل الأحوال لا يعكس إرادة الشعب الفلسطيني، ولا يعكس تطلعاته، فضلاً عن كونه لا يعكس الواقع الإئتلافي لمنظمة التحرير الفلسطينية بقدر ما يعكس وجهة نظر طرف من أطراف هذه المنظمة.