كلمات في عيد الأم

بقلم: نضال حمد

أذكر قبل سنوات طويلة عندما كنت لازلت طفلا صغيرا وفيما بعد مراهقا ناشئ كنت مع أخواني وأخواتي وخلاني وأصدقائي ننتظر بلهفة قدوم العيد عيد الأم كي نقدم هدايانا لأمهاتنا في عيدهن.
كنا نتعب من كثرة التفكير بنوع الهدية مع اننا كأطفال لم نكن نملك موارد مالية تساعدنا على حل معضلة الهدية بسرعة، لكن بحكم انتماؤنا للنوادي الثقافية والشبيبية الفلسطينية في مخيمات الشتات كنا نجتمع ونفكر ونتحاور ونتبادل الأقتراحات ومن ثم نخرج بمشاريع غالبا ما كانت تتكلل بالنجاح وبهذه الطريقة كنا نحل المعضلة ونجد في النهاية الحل المناسب.
أذكر كيف كانت أمي تلاحقني وتلاحق أخي الأكبر جمال لكي تمنعنا من الذهاب الى المعسكر او مكتب الجبهة حفاظا على حياتنا من الغارات ومن انفلات السلاح الذي كان سائدا في عصر الثورة الفلسطينية وعاصمتها السابقة الفاكهاني.
كانت تحمل همنا ونحن كنا قساة كالحجارة لم نكن نفكر بألامها وعذابها وقلقها علينا وعلى حياتنا
هي وأبي كذلك، هذا الرجل الكبير والعظيم الذي يملك ارادة صلبة وقوة تحمل تهد الجبال لولا تلك الصفات لكان أنتهى قلقا وألما بسبب مشاكلنا التي كانت تواجهه لسنوات و بسبب جهلنا وقلة تفكيرنا وعدمية رؤيتنا للحياة وللأمور وأيضا بسبب الواقع العام الذي كان سائدا في تلك السنوات.
أذكر يوم جائت أمي وأمرأة عمي والمرحوم عمي محمود الى مخيم برج الشمالي بحثا عني وعن أبن عمي ورفيق طفولتي وصباي طارق حيث كنا يومها موجودان في المواقع القتالية الأمامية في جنوب لبنان.
كانت قواعدنا موجودة بين قوات الأمم المتحدة العاملة هناك بينما أمامنا كانت المناطق المحتلة من الشريط الحدودي في جنوب لبنان وقوات العميل سعد حداد المتحالفة مع الأحتلال الإسرائيلي، حضروا الى المخيم المذكور وانتظروا في مكتب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لمدة قصيرة.
لكن تلك المدة كانت اشبه بالدهر حيث أن الطائرات الأسرائيلية شنت غارة قوية على قاعدة لحركة فتح كانت تبعد عشرات الأمتار عن مكان تواجدهم مما أضطرهم الى الأختباء في مغارة قريبة كانت موجودة قرب الموقع. بعدها عادوا جميعهم الى مخيمنا عين الحلوة دون نتيجة ودون ان يلتقونا لكنهم علموا اننا في المواقع الأمامية.
أذكرأيضا يوم كنا محاصرون في بيروت صيف 1982 وبعد سقوط مخيم عين الحلوة بعد معارك ضارية وحصار محكم دام ثلاثة اسابيع كنت وزملائي في احدى مقرات جهة التحرير الفلسطينة نتبادل الحديث والحوار مع القائد الراحل طلعت يعقوب أمين عام الجبهة. يومها فاجئتني أمي بوصولها الى مكاننا رغم الويلات وعذابات ومشقة السفر من الجنوب الى بيروت خاصة أن الاحتلال وقطعان الفاشيين من الجبهة اللبنانية كانوا في كل شارع وزقاق ومكان على طول الطريق المؤدي الى بيروت المحاصرة.
المهم ان والدتي وصلت وكانت برفقة العمة ام غازي التي فقدت قبل ايام في معارك التصدي لدبابات الغزاة في عين الحلوة ابنها عبد محمد وعبد هو ابن عائلتي وصديقي ورفيق صباي أيضا أستشهد بعد ان احرق بعض الدبابات الصهيونية في المخيم وبشهادة الذين عايشوا المعركة.
تلك العمة أم غازي فقدت بعد ثمانية سنوات أبنها الثاني طارق حيث تم اغتياله وهو يصلي في مسجد المخيم. وهي أبنة أحد شهداء حرب فلسطين الكبرى عام 1948.
عندما رأيتهما ترقرقت الدموع في عيناي وكدت ابكي بين يدي امي في حضنها لكنني تمالكت نفسي وحبست الدموع ومنعت قلبي من الخفقان بقوة كي لا أزعج أمي وكي لا أفتح جراح أمرأة عمي التي لازالت طرية.
جاءت امي لتطمئن على حالي وحياتي وجدتني حيا يرزق وسليما معافيا ولا ينقصني سوى هزيمة جيش شارون وتحطيمه على اعتاب وابواب بيروت التي ستمر عبرها أمي وهي عائدة ادراجها الى مخيمنا الشهيد.
لكنها وقبل ان تعود اخبرتني وزودتني بمعلومات عن الأصدقاء والأقارب والمعارف والجيران والرفاق الذين أستشهدوا أو أسروا أو تمكنوا من الأنسحاب شرقا نحو الجبل والبقاع. عرفت بأستشهاد حاتم وشحادة وحسين وعلمت ايضا ان كل الرجال من عائلتنا كما باقي العوائل ومنهم اخي وزوج اختي وغيرهم تم اعتقالهم ولا احد يدري اين هم.
أذكر يومها أنني كنت كتبت في استقبال ووداع امي ما يلي:
لقاء أمي
"ألتقينا اماه حين رأيتك أبتسمت.. أعرف أنك بكيت وأعرف أن امرأة عمي بكت لأجل عبد الشهيد لأجلنا أماه لحظة اللقاء رأيت في وجهكما صور رفاقي الشهداء على جبهتيكما, كان المخيم قمة العطاء, شامخا كطارق وكمال والخنساء، كان المخيم خلفكما محترق التقينا اماه وبيروت تحترق لكن جميلا فيها الوفاء وأنها صامدة.

أمي قطعت مسافات قصيرة لكنها جد خطيرة…كل هذا لأجل رؤيتي..
حين وصلت الى المدينة كانت منهكة ومتعبة وحزينة, لكنها فرحت لرؤيتي.. أنت حي ؟ لكنها سرعان ما بكت على من رحلوا.. وحين جاء موعد عودتها بكت من جديد قبلتني وقالت جملة قصيرة : أملنا في بيروت.
أذكر أنني كتبت هذه الكلمات في اليوم الـ25 والـ 26 لبدأ الغزو الصهيوني للبنان صيف 1982.
لم تتوقف زيارات امي فقد عادت وأتت الى بيروت قبل رحيل القوات الفلسطينية عن المدينة بحرا بأيام قليلة جاءت ومعها تأشيرة سفر لي صالحة للسفر الى دولة الأمارات العربية المتحدة, حيث كان المرحوم الحاج ابو فراس زوج أختي مارس كل ما يملك من موهبة ومعارف ووضع صداقته في الميزان من اجل تأمين تلك التأشيرة. وارسلها بطريقة سريعة الى الأهل في لبنان ثم حملتها والدتي وقطعت الحواجز والحصارات و دخلت بوابة بيروت المحاصرة حاملة التأشيرة كأغلى هدية كانت تبحث عن نجاتي من الحصار وأنا كنت ابحث عن شهادتي هناك. رفضت التأشيرة وأستفزتني الفكرة الى ابعد الحدود قلت لأمي بقساوة ولد جاهل وشاب صغير ومغرور ومتهور, لن اسافر الى اي مكان سأبقى هنا حياة وموتا. فما للخليج للخليج وما لبيروت لبيروت ولنا نحن الإرادة الصلبة وقوة الحق والسلاح المتسلح بالحقيقة الفلسطينية.
عادت امي ادراجها حزينة..
أذكر أنني كتبت في مفكرتي التي تضم يوميات الحصار تحت عنوان اللقاء الثاني ما يلي :
ألتقينا فجأة تعانقنا طويلا وكأننا نعيش معجزة ترقرق الدمع في عيون رفاقي فجميعهم ابناء لأهلهم.
داعبت شعري طويلا, وكأني طفلا غاب عن البيت سنينا.. أو افتقدته وهو جنينا...
أثناء حديثي معها في الغرفة المظلمة انيرت السماء بقنابل الأنارة
وشقت الطائرات صمت الليلة انقضت على الشجر والحجر والبشر, لم تقتل الأصرار في المقاومة, لم تدفن الإرادة مع أنها دفنت الأبرياء تحت انقاض المباني المنهارة..
أمي بجواري لكني أفتقد لرفاقي أنهم في مهامهم النضالية"
لم اسافر بناء على رغبة امي و لم اغادر بناء على رغبة امريكا واسرائيل وبعض اللبنانيين. بقيت في بيروت مع زملاء ورفقاء لي, أخذنا نعد العدة للقادم للأيام الأتية, لأنطلاقة المقاومة اللبنانية الفلسطينية المشتركة والتي أصبحت تعرف فيما بعد بجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية لكن ونحن في صدد الأعداد لأنطلاقة المقاومة عبر الجبل والجنوب وتحديدا من عين الحلوة، فاجئنا كما الجميع موت بشير الجميل حيث تغير كل شيء فموته كان ضربة مؤلمة أودت بأمال شارون واحلام بيغين الى القبر الذي ضم اشلاء بشير الجميل. لكن شارون المتعطش للدم وجيش الأرهاب الأسرائيلي المتحالف مع شياطين الأرهاب من القوات اللبنانية العميلة لإسرائيل، قرروا ابادة المخيمات الفلسطينية من خلال المجازر وذبح الناس والأنتقام من شعبنا ظنا منهم بأن حق اللاجئين في العودة الى ديارهم سوف يدفن مع جثثهم في المقابر الجماعية هنا وهناك في المخيمات وكانت مجزرة صبرا وشاتيلا البداية لحملة من المجازر التي استهدفت مخيمات العطاء والفداء في الشتات الفلسطيني الذي لم يبخل ابدا على فلسطين.
في حملة المجزرة تقدمت دبابات شارون ومعها عصابات القوات اللبنانية وجيش لبنان الجنوبي, بقيادة ايلي حبيقة, فادي افرام سمير جعجع وسعد حداد الى المخيمين والى كافة مناطق بيروت الغربية هنا قررنا انا ورفاقي ممن كنا نجهز أنفسنا لأعمال سبق ذكرها ان نقاوم الأحتلال ونحاول منعه من أحتلال المخيمات والفاكهاني بما فيه من رمزية فلسطينية وخاصة مكتب السيد ياسر عرفات المهم حدثت المعركة وكانت غير متكافئة تماما علمنا ان هناك مجزرة في المخيمات مما دفعنا للأستبسال والمواجهة والمقاومة حتى الرمق الأخير. في هذه الواقعة الفريدة والتي غدونا فيها جنود مجهولين شهداء وجرحي مجهولين استطعنا وقف الدبابات الأسرائيلية على مشارف الفاكهاني ومدخل صبرا من جهة حاجز الكفاح المسلح على المدينة الرياضية.
أستشهد معظم رفاقي وأسر وجرح عددا اخر منهم أما أنا فقد أصبت اصابة مباشرة من قذيفة دبابة اسرائيلية, أدت الى بتر ساقي اليسرى وأصابتني بجروح عدة في كافة انحاء جسدي. بعدها قضيت وقت طويل ومرير في المشافي.
هنا عادت امي من جديد الى واجهة أيامي وحياتي, اذ وصلها الخبر اولا بأنني استشهدت في المعركة تلك. كذلك عم الخبر في كل الأمكنة فأقامت لي أختي في الأمارات بيت عزاء وكذلك فعل أقاربي في مخيم اليرموك في سوريا وكادت الطبخة تكمل بأصدار بوستر شهادة يحمل صورتي من جبهة التحرير الفلسطينية لولا ان الخبر الحقيقي وصلهم قبل فوات الأوان.
كانت امي تنام وتقوم عندي في المستشفى أيام زيارتي كانت تقلي السمك " العقيص" واللبنانيون يسمونه " الموستا" وتحضره معها من بيتنا في عين الحلوة الى الجامعة الأمريكية في بيروت حيث كنت أرقد ممزق الجسد كنت انام وهي لا تستطيع النوم كانت تبتسم لي لكنها تذهب الى خارج غرفتي لتبكي، كانت لي كالدواء لجراحي ولازالت كذلك. هي امي التي احب واقدر وأعز. هي أعز الناس , خيط الضؤ وخيط النور في أزمنة الظلام و المراحل السوداوية. هي الأمل وبريق الأمال الباقية.
أذكر كل تلك الحكايات وهي حكايات من وحي حصار بيروت يوم كنت مراهقا وكان عمري 19 عاما ونيف.
لكن في هذه الأيام وكل أمهات بلادنا فلسطين ترتدين السواد وتمتطين جياد الحداد لا يسعني ألا أن اقدم اسمى ايات التحية والتقدير لأمهات الشهداء والجرحى والأسرى والمعتقلين والمجاهدين المطاردين والملاحقين في وطننا فلسطين. للأمهات الفلسطينيات اللواتي يودعن أبنائهن وهم يتوجهون لأقتحام المستوطنات ومهاجمة الأعداء وجيش الأرهاب الأحتلالي في فلسطين المحتلة مقدمين حياتهم قرابين ومشاعل من نور وحرية على مذبح الوطن والقضية.
للأم الفلسطينية التي استضافها تلفاز المنار وتحدثت في هذا اليوم عن مأساتها مأساة الشعب الفلسطيني حيث هذه العظيمة فقدت 54 شهيدا من افراد عائلتها سقطوا على مذبح الشهادة والجهاد من أجل فلسطين وحريتها وأستقلالها وعودة كافة لاجئيها هؤلاء الشهداء من الاجئين في مخيم تل الزعتر الذي تمت ابادة معظم سكانه ومن ثم محوه تمام عن الخارطة تؤكد وتعتبر رسالة واضحة للقيادة الفلسطينية اولا وللقمة العربية ثانيا وللعالم أجمع ثالثا وللكيان العبري رابعا أنه لا حل يمكن ان ينجح ويدوم ويستمر أذا تجاهل عودة وحقوق اللاجئين الفلسطينيين المعترف بها دوليا وقانونيا واخلاقيا وسياسيا وانسانيا لأن كل مبادرة سلام او مشروع او خطة او حل يتخطى المخيمات وحقوق أهلها سوف يقبر في مهده لأن امهاتنا اللواتي ينجبن الأبطال ويخصبن فلسطين بدماء فلذات أكبادهن هن سوف يفشلن هذه المشاريع ويرمين بها الى مزابل التاريخ.