كلاوزفيتز أو 'جهينة' حرب غزة

بقلم: فيصل جلول

"كل الحروب في النصف الثاني من القرن العشرين لم تنته بالاستسلام دون قيد شرط. انتهت كلها باتفاقات. كل القوى العظمى التي خاضتها لم تصب بهزيمة عسكرية إلا فرنسا في ديان بيان فو. كانت الدول العظمى تتخلى في هذه الحروب عن القتال بسبب تعبها وبعد اقتناعها بانها لن تنتصر كما حصل للاميركيين في فيتنام وللسوفيت في افغانستان. وهذا دليل على ان النصر العسكري لا يضمن نصرا سياسيا او استراتيجيا."
لم تعصم هذه القاعدة المعروفة الرئيس الاميركي جورج بوش عن مغامرته العراقية وربما تسير افغانستان على الطريق نفسه فتكون قد اكدت القاعدة مرتين واحدة مع السوفييت والثانية مع الاميركان.
ليست حروب النصف الثاني من القرن العشرين وبداية الالفية الثالثة استثناء في "علم الحرب" الذي وضع اسسها الجنرال البروسي "كارل فون كلاوزفيتز" والصيني "سون زو" واخرين. فهي مصنفة في خانة الحروب غير المتكافئة التي يتجابه فيها طرف فائق القوة اقتصاديا وعسكريا وسياسيا وطرف محدود التسلح لكنه يتمتع بعناصر قوة معنوية تعظم سلاحه وفي طليعتها قوة الارادة والشجاعة العالية والتعبئة الايديولوجية و القدرة على التنظيم والتخفي ناهيك عن الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس.
وتندرج الحرب في غزة في هذا الاطار تماما كحرب تموز ـ يوليو عام 2006 في لبنان. وهي جديرة بالقراءة في السياق المنهجي المذكور وليس بطرق سجالية أو عبر احكام مجاملة او عدائية مسبقة. وعليه لا بد من العودة الى كلاوزفيتز (في بحث ريمون ارون ـ الجزء الاول حول العصر الاوروبي. صادر عن دار غاليمار عام 1976) لقياس ما اذا كانت حرب غزة "عبثية" كما يؤكد بعض المعارضين للتيار المقاوم او فعلا تأسيسا في الصراع المصيري حول فلسطين كما يؤكد المقاومون.
يؤكد كلاوفيتز أن "ميزان القوى العسكري مهم لكن يجب ايضا الاخذ بعين الاعتبار العناصر المعنوية
فالاستراتيجية لا تملي بالضرورة على الطرف الضعيف ان يعتبر ان لا شيء لديه يفعله غير الاستسلام بل العكس تماما فالاستراتيجية تملي عليه ان يعوض ضعفه المادي بتعظيم العناصر المعنوية التي يتمتع بها" ص86 وفي موضع اخر يقول "فن الحرب لا يقتصر على حساب الكلفة والربح"ص87.
أن الناظر الى ميزان القوى العسكري بين المقاومة واسرائيل مجبر على اعتماد واحد من خيارين: التسليم بالفارق العسكري الهائل والاتعاظ بالكلفة العالية للمجابهة وبالتالي القبول بالشروط الاسرائيلية او اعتماد الخيار المقاوم وبالتالي الاتعاظ بدروس "علم الحروب" وبالتجارب المذكورة انفا و الواضح ان التيار المقاوم اعتمد هذا الخيار في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي سقط مسموما وفي غزة وما الحرب الاخيرة الا من هذا الاثر.
ويرى كلاوزفيتز ان الطرف الاضعف في الحرب يعتمد اسلوب الدفاع وليس الهجوم ذلك ان القتال الدفاعي يعطي المدافع افضلية نسبية على المهاجم ص87 وهو ما وقع في غزة حرفيا.
وفي مكان اخر يتساءل الجنرال الالماني".... كيف يمكن حمل العدو على رفع كلفة الانتصار في حربه؟" ويجيب ".. عبر اجباره على نشر قوات اكبر او اصابة قواته بضرر كبير او السيطرة على جزء من أرضه او اجتياح بعض محافظات العدو من اجل احداث ضرر فيها وليس من اجل الاحتفاظ بها او نهبها او تدميرها. ثم انهاك العدو باستنزاف قواته و اضعاف ارادته عبر اطالة المعركة لحمله على التخلي عن الاهداف التي رسمها للحرب" ص136.
إن العودة الى تفاصيل حرب الاسابيع الثلاثة الاخيرة تبين بوضوح ان الصواريخ التي اطلقت على المستوطنات كانت في ايقاعها المنتظم رغم جحيم القصف واستعراض القنابل الفوسفورية في سماء غزة تشل جبهة العدو وتضعف ارادته وتتحدى الته العسكرية وذلك لحمله على الاقتناع بلا جدوى المعركة والقتال وهو ما وقع بالفعل.
ويوضح كلاوزفيتز في مكان اخر".. حين لا يمكن طرح العدو ارضا او تدميره يكون الرهان على من يستنزف اولا." بعبارة اخرى فالرهان ".. ليس قصم ظهر العدو بقدر توفير القوة الذاتية والاحتفاظ بعناصر مفاجئة في المعركة".ص141. وغير محسوبة مسبقا. والراجح ان المقاومة في غزة اعتمدت هذه القاعدة في القتال فهي اقتصدت في التضحية بمقاتليها حيث لاتكون لها افضلية القتال أو حيث لا يمكنها القتال بشروطها ولم تعبأ بالتصريحات الاستفزازية حول لجوء قيادتها و مقاتليها الى الانفاق.
ويستفاد من تصريح لاسامة حمدان في اليوم الاخير من المعارك ان المقاومة "استخدمت سلاحا جديدا "مفاجئا" ربما كان بين الاسباب التي حملت اسرائيل على اعلان وقف النار".
ويستفاد من قاعدة اخرى في علم الحرب ان النصر فيها نادرا ما يكون مطلقا والهزيمة ايضا لا تكون مطلقة ولعل المنتصر فيها ان جاز التعبير هو "الذي يقول كلمته في ربع الساعة الاخيرة" وهنا ايضا يلاحظ ان المقاومة واصلت اطلاق صواريخها على المستوطنات بعد ساعات طويلة من اعلان اسرائيل لوقف النار من طرف واحد. وقد عاودت اسرائيل اطلاق النار من البوارج الحربية لكن خارج سياق الحرب اي بعد ان ختم الكلام فيها. تبقى الاشارة الى القاعدة الاساسية للحرب بحسب كلاوزفيتز فهي " عمل عنيف يهدف الى فرض ارادة طرف على طرف اخر".
بالقياس الى هذه القاعدة يلاحظ ان المقاومة لم تتخل عن اي من شروطها في حربها الدفاعية عن غزة في حين فشلت اسرائيل في حربها الهجومية في فرض ارادتها واي من شروطها على المقاومين.. اقله حتى كتابة هذه السطور.اما عن الخسائر المدنية واضرار البنية التحتية الفلسطينية فهي جسيمة الى حد ان اسرائيل تبذل جهودا حثيثة لحماية جنودها من العقاب الدولي بتهمة ارتكاب جرائم حرب.. وذلك للمرة الاولى في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي.
لم تطرح المقاومة الفلسطينية "اسرائيل ارضا" في حرب غزة لكنها استخدمت بطريقة مدهشة قواعد حرب الضعفاء ولعل عدوها يدرك ذلك بدقة في حين ان عددا من بنيها الاقربين والابعيدن استبطنوا ثقافة الهزيمة حتى صاروا لا يرون ولا يفقهون. فيصل جلول