كلاهما باريس، ولكن

بقلم: أحمد فضل شبلول

عقب عودتي من العاصمة الفرنسية باريس، بأسابيع قليلة، أتيحت لي الفرصة لزيارة محافظة الوادي الجديد، لحضور احتفالية ثقافية أقامتها الهيئة العامة لقصور الثقافة بالتعاون مع محافظة الوادي الجديد، خلال المدة من 13 إلى 15 أكتوبر 2002.
ولما كنت أعرف أنه يوجد قرية أو واحة في الوادي الجديد اسمها باريس، على مبعدة 90 كم جنوب مدينة الخارجة عاصمة الوادي، فقد تلمست السبل لزيارتها. وجاءت الأمور أكثر سهولة مما كنت أتوقع.
فقد كان في مخطط الزيارة والاحتفالية الثقافية، التوجه لواحة باريس للمشاركة ـ مع محافظ الوادي الجديد الهمام اللواء مدحت عبد الرحمن، والأستاذ أنس الفقي رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ في افتتاح منتجع سياحي في باريس، أسسه أحد المستثمرين الأذكياء، لاستقبال السائحين والزوَّار الذين يلتمسون الراحة والهدوء والاستشفاء، والجو الجاف الخالي من الرطوبة، البعيد عن التلوث، في رحاب الصحراء الممتدة إلى مالا نهاية، وأيضا في أحضان الخضرة الطبيعية المحدودة، وعيون المياه المتدفقة من الأرض البكر، بعيدا عن ضجيج العواصم والمدن الكبرى.
بعد المشاركة في افتتاح بيت ثقافة قرية بولاق التي تبعد 30 كم عن الخارجة، توجهنا إلى واحة باريس، بعد أن اجتزنا 60 كيلو مترا عبر الطرق الصحراوية الجنوبية الممهدة. وهناك خرج أهل باريس البسطاء الوادعين، بالزغاريد والطبول والرقص والأغاني الشعبية، ووزعوا علينا البلح والتمر الأسود والأحمر والأصفر، ومشروب الكركديه أو العُنَّاب الأحمر. وكلها من خيرات الأرض الزراعية ونخيلها في باريس والواحات، إلى جانب المشروبات الغازية التقليدية الموجودة في المدن الأخرى.
وعندما سألت عن معنى اسم باريس في تلك المنطقة النائية من جنوب مصر، عرفت أن الاسم مشتق من الكلمة الفرعونية باريسيت، أي الحد الجنوبي، لكونها تقع في جنوب مصر القديمة، وبها عيون مائية تعود إلى العصر الفرعوني. وفي جنوب باريس، يوجد المكس القبلي، والمكس البحري، كمدخلين لتحصيل المكوس (الضرائب) على درب الواحات المصرية الممتد إلى السودان.
عندما قارنت بين اسم باريس المصرية، وباريس الفرنسية، وجدت أنه لا يوجد أدنى علاقة بين الاسمين، فباريس الفرنسية تقع في شمال فرنسا، أما باريس المصرية فتقع في الجنوب الغربي من مصر. وباريس الفرنسية كانت تدعى في عهد القائد الروماني قيصر (101 ـ 44) ق.م، لوكتيس، وكان سكانها يسمونها (باريسي) وكبرت لوكتيس هذه شيئا فشيئا على شاطئ نهر السين، فاتخذها الملك كلوتيس ملك قبيلة الفرنك (أو الفرنج) قصرا للمملكة، ولما تولى فيليب أوجست الحكم زادها تحسينا وعمرانا، وفي القرن السابع عشر حذا حذوه الملك لويس الرابع عشر فملأها مباني فخمة. وتعد باريس اليوم المظهر الكامل للمدنية الأوربية، حيث تركزت فيها جميع معاني الحضارة العصرية بما فيها من غث وسمين.
أما في الأساطير، فاسم باريس مشتق من باريس الذي خطف هيلانة في الميثولوجيا اليونانية، وهو ابن بريام Priam ملك طروادة وزوجته هكيوبة Hecuba. نشأ في البراري فأرضعته دبة، وتعهد تنشئته بعض الرعاة. حتى إذا بلغ مبلغ الشباب رآه أبوه فعرفه وحمله إلى قصره. أحب هيلانة زوجة منيلاوس ملك إسبارطة واختطفها فنشبت إثر ذلك حرب طروادة.
ويرقى تاريخ باريس إلى ما قبل عهد الرومان. وفي بعض المصادر أنه يرقى إلى ما قبل عهد التاريخ المدون.
أما باريس المصرية فتقع في أعماق الصحراء، ولا يوجد بها سوى عيون مياه قليلة، منحتها القدرة على العيش وسط الصحراء القاسية. لذا فإن معظم الأغاني الشعبية في هذه المنطقة تتغنى بالماء، أو تغني للماء، الذي هو المحبوب الأول لدى أهالي الواحة.
إن قطرة الماء في الواحات تعادل بالفعل حياة. إنهم يفرحون بالماء ويقدسونه، على عكس أهالي وادي النيل، الذين منحهم النهر الأمان وعدم الخوف من فقد قطرة ماء، فإذا فُقدت قطرة ماء، فالنيل يمدهم بملايين القطرات المائية. أما في الواحات فالخوف من جفاف قطرة الماء، يشغل بالهم، والخوف من نضوب الآبار هو هاجسهم الدائم. لذا فقد تغلغلت الأغاني المائية كثيرا في فلكلورهم أو تراثهم الشعبي أو مأثوراتهم الشعبية.
في باريس الفرنسية يوجد: متحف اللوفر وبرج إيفل، والأوبرا، وجامعة السربون، وأهم المراكز العالمية للأزياء، والعطور، والحي اللاتيني وشارع الشانزليزيه، .. الخ .. الخ.
أما باريس المصرية، فيوجد بها (على بعد 23 كم) معبد دوش الذي شُيد لعبادة الإلاهة المصرية إيزيس، وإلاه الرومان سيرابيس. ويرجع تاريخ هذا المعبد إلى عصر أباطرة الرومان: تراجان، وهادريان. وعلى جدرانه توجد مناظر للإمبراطور الروماني تراجان يقدم القرابين للآلهة.
ويقع هذا المعبد في ملتقى درب الواحات الموصل إلى السودان، ودرب إسنا الذي يصل باريس بمدينة إسنا بوادي النيل.
على مقربة من هذا المعبد الذي يقع داخل الصحراء، توجد بقايا أبنية من الطوب اللبن، يبدو أنها كانت لأديرة تحمل اسم دير الأب، ودير الابن.
لقد عثر في هذه المنطقة على مجموعة من أوراق البردي تثبت فرار بعض العائلات المسيحية التي كانت تتمسك بدينها بعيدا عن اضطهاد الرومان في هذا المكان النائي. والتي عاشت في هذا المعبد، في القرن الرابع الميلادي، وتركت بصماتها على الحياة هناك.
ومازالت بعثات الآثار المصرية والفرنسية تنقب عن الحياة في هذه المنطقة البكر من صحراء مصر الجنوبية، لتكشف آثارا أخرى تدل على عظمة الإنسان الذي عاش في هذه المنطقة الصحراوية النائية منذ قرون طويلة.
حقًّا كلاهما باريس، ولكن شتان بينهما، باريس الفرنسية واحدة من أجمل مدن العالم الآن، وأهمها على الإطلاق، وباريس المصرية الهادئة الوادعة النائمة في أحضان الصحراء الغربية التي من الممكن استصلاح 30 ألف فدان حولها للزراعة، إذا توفرت المياه اللازمة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية