كلام بسركم

بقلم: بــلال شــراره

-1-
نفس الدول الغربيـة التي تآمـرت لتحطيم الدولـة العثمانية واقتسام تركة "الرجل المريض"، هي نفس الدول التي استرعى انتباهها تنامي قوة مصر بعد انتصار جيوش محمد علي باشا على جيش السلطنة في واقعة نصيبين، وقيام هذه الدول تحت ستار الحفاظ على وحدة السلطنة بفرض معاهدة لندره في 15 يوليو/تموز عام 1840، والتي ادت عمليا " الى وضع السلطنة نفسها وممتلكاتها تحت الوصاية والحماية الاجنبية."
نفس هذه الدول التي انحازت الى جانب استقلال اليونان بمواجهة تفاهم تركيا ومحمد علي هي نفس الدول التي وقفت ضد استقلال محمد علي عن الدولة العثماني.
طبعا، هذه المقدمة لا تعني دفاعا عن الدولة العثمانية ولا عن محمد علي، ولا اسدال الستار على المظالم والثورات التي وقعت ضد السلطنة او محمد علي ولكن هذه المقدمة تتصل بصورة مباشرة بالسياسات الدولية التي تعبر عن ان ما يحكم صورة الحركة السياسية والعسكرية للدول هي المصالح وليس الحقائق.
فالدول الكبرى آنذاك، انكلترا، فرنسا، روسيا، النمسا وبروسيا، سعت كي تحبط اي مسعى للتوفيق بين وجهتي نظر مصر والسلطنة الى حد ان سفراءها في الاستانة قدموا مذكرة الى الباب العالي في 27 يوليو/تموز سنة 1839 يطلبون اليه باسم الدول الخمس "ان لا يبرم امرا" في شأن المسألة المصرية الا بإطلاعهم واتفاقهم.
هذه المقدمة هي من اجل تسليط الاضواء على الاشكالية بين النظرية والتطبيق في صياغة الدول ذات الوزن الدولي او الاقليمي لسياستها الخارجية بطريقة تظهر الانفصام بين المبادئ والمصالح.
-2-
مثلا، ان المتتبع للغة الخطاب السياسي والموقف من المواقف الغربية، خصوصا الاميركية منها، تجاه المسألة الفلسطينية والملف العراقي، سوف ينتبه الى التعبير الذي اسسه عصمت عبد المجيد الامين العام السابق لجامعة الدول العربية وهو تعبير "المعايير المزدوجـة" في تطبيق القرارات الدولية، وهو مـا يشير الى "اهتمام" بعض الدول وفي الطليعة الولايات المتحدة بإنفاذ القرارات الدولية الخاصة بالملف العراقي و"التجاوز" على القرارات الدولية الخاصة بالمسألة الفلسطينية وكذلك بالشرق الاوسط.
عدا عن ذلك وفيما يختص بفرض الرقابة او بتجريد العراق من اسلحة الدمار الشامل، فإن هذا الامر يصبح الشغل الشاغل للادارة الاميركية فيما تستغـل اسرائيل الوقائع المتصلة بالملف العراقي خصوصا موضوع اسلحة الدمار الشامل لتكشف بصورة (رسمية) عن امتلاكها - اسرائيل - لاسلحة نووية، وتلوح بإستخدامها في حال قيام العراق اذا ما وضع على منظار التصويب الاميركي وتعرض لعمل عسكري بضرب اسرائيل باسلحة بعيدة المدى.
مما لا شك فيه ان هناك "طغيانا اميركيا" على صياغة الموقف الدولي، وهو طغيان بشكل القرارات القطرية للدول او للاتحادات الجهوية، وكذلك من خلال الامم المتحدة ومنظماتها التي باتت اسيرة الموقف الاميركي.

-3-

نقول طغيان، لأن من يدرس القانون الدولي في سياق سياسي والسياسات العالمية في سياق قانوني، سوف يدرك ويتأكد من وجود ازدواجية في المعايير وطغيان للمصالح على حساب المبادئ واهتمام بالارباح وبقوة اميركا، وان واقع المعادلة الدولية الراهنة تقوم على اساس احتكار الولايات المتحدة مركزيا "لاستخدام القوة، وليس العمل لجعل العالم آمنا لسيادة النظام الديموقراطي."
في هذا السياق نذكر ان الزعماء الاميركيين حذروا في القرن الثامن عشر من التورط بعمق شديد لصالح المبادئ الاخلاقية - معايير حقوق الانسان الرفيعة - خوفا من ان تصبح الولايات المتحدة دولة امبريالية.
ولأن الولايات المتحدة سلكت الطريق لتصبح ليس دولة امبريالية بل الدولة الامبريالية، وهي تسعى لان تكون دولة مطلقة، فإننا نحن بقية العالم وخصوصا شعوب العالم الثالث وعلى الاخص الشعوب العربية، يجب ان ننتبه الى انه في العالم الاميركي المعاصر تم وضع نهاية لاهتمام الاميركي بقواعد الاخلاق والحقوق في بناء السياسات الخارجية للولايات المتحدة، وان هذه الدولة لم تعد تريد الوصول الى صورة المشهد الذي تحدث عنه احد الرؤساء الاميركيين - ريغان - في تصويره لبلاده على انها "مدينة ساطعة فوق التل وانها يجب ان تقود العالم بالقدوة في داخلها". وكذلك فإن هذه الدولة لن تعبر من الان فصاعدا عن ولعها بالعبارات البليغة عن القواعد الاخلاقية والحقوق الا عندما تلزمها المصطلحات مثل الديمقراطية وحقوق الانسان لانتاج الانظمة القطرية وفق ما يلائم مصالحها، وبمعنى اوضح فإن الاهتمام الاميركي بالديموقراطية في العراق وغيره يكون فقط عندما يتناسب مع استراتيجية الاحتواء الاميركية.

-4-

لذلك وفي اطار رسم السياسات الاميركية، لا بد من الانتباه الى ان الالتزام الاميركي تجاه حق الشعوب في تقرير مصيرها وفي بناء هيكلها، السياسي وتجاه حقـوق الانسان بما يتضمن حقوق السلامة الشخصية في العالم، كالحماية من القتل، والاعدام الجماعي، والتعذيب، وسوء المعاملة، وكذلك الالتزام الاميركي تجاه احتياجات انسانية اساسية مثل الغذاء، المأوى، الرعاية الصحية والتعليم لم يعد يمثل لا حجر الزاوية ولا روح السياسة الخارجية الاميركية الا حين تمثل كل تلك العناوين مصالح نفعية للولايات المتحدة.
بعـد كـل الذي تقدم هل هناك مجال للتوفيق بين "المصالح" الاميركية و"الحقوق" العربية؟
نحن نرى ان هناك اصطداما بين تلك المصالح وهذه الحقوق، وان المصلحة الاميركية تقتضي كما هو الامر عليه الاستمرار في معاملة اسرائيل كإستثناء لا تطبق عليه القرارات الدولية، كما ان المصلحة الاميركية تقتضي ايجاد المبررات لـ "اقتحام" العراق، ليس من اجل اعادة الاعتبار للديموقراطية، فالعالم الحر الذي تلتزمه الولايات المتحدة ليس مقتصرا على الدول الصناعية الديموقراطية فحسب بل على ديكتاتوريات.
فـ "اقتحام" العراق سوف يتم لاسباب نفعية ولاسباب القوة الاميركية التي تستدعي "القبض" على منابع وطرقات الامداد بالنفط الخام من كازاخستان الى العراق وانتاج ما يلائمها من انظمة وايضا من اسواق.

-5-

وفي المسألة الفلسطينية فإن الاتجاه "الى اليمين در" في المجتمع الاسرائيلي يتم اما برعاية اميركية، او بإصطياد اللحظة الاميركية المناسبة من اجل ملاءمة السياسة الخارجية الاميركية مع متطلبات مشروع الخلاص الاسرائيلي اي اسرائيل النقية من العنصر العربي، اسرائيل الخالية من الاغيار وصولا الى اسرائيل الكبرى.
ليست هذه هي الحقيقة ؟
الا يترتب على هذه الحقيقة الاميركية صياغة الممانعة العربية وفق قاعدة ترتيب المصالح العربية المرتكزة على الحقوق.
هذه هناك امكانية للممانعة ؟
الجواب على هذا السؤال يقع على عاتق سلطتي القرار في النظام العربي والشارع العربي. * بــلال شــراره
كــاتـب وبـاحـث، وامين عام الشؤون الخارجية في مجلس النواب اللبناني