كلام أهمس به إلى الرئيس بوش!

بقلم: جواد البشيتي

الفكر يَحْكُم العالَم.. ولكن ليس كحاكم أوتوقراطي، فتقيُّده بـ "دستور" إنما هو الشرط الأولي لنجاحه في حُكْم العالَم. أردت قول ذلك لعل الرئيس بوش، وكل من يشاطره معتقداته، عن اقتناع أو عن مصلحة شخصية أو فئوية تتسربل بالإيديولوجيا، يتحفَّظ، ولو قليلا، من المغالاة والإفراط في تصوير حرب الولايات المتحدة على الإرهاب على أنها "صراع عقائدي صرف" بين "فسطاط الحرية" و"فسطاط الاستبداد" في العالَم، على رحبه واتساعه، صراعا وتناقضا.
عصرنا، ولسوء حظ الرئيس بوش، لا مثيل له لجهة أن أحدا من أبنائه لا يستطيع خداع أحد، فالدوافع والحوافز والأهداف الحقيقية للقول والعمل السياسيين في متناول أبصار وبصائر حتى السذَّج من البشر، وما عاد ممكنا، بالتالي، تفسير أي حرب، ومهما تزركشت بالمُثل الأفلاطونية، وأشباهها، على أنها ثمرة الصراع السرمدي بين إلهي الخير والشر مع مشتقاتهما كـ "الحرية" و"الاستبداد".
من أجل مزيد من هذا "الشيء الجديد"، الذي أتت به هذه "الحرب الجديدة"، أي الحرب على الإرهاب، وهو "الديمقراطية الدستورية" التي أقامها الجيل الحالي من جيش الولايات المتحدة في قلب العالم العربي، أي في العراق، تعهد الرئيس بوش بالمضي قدما في الحرب على الإرهاب، التي تشبه كثيرا، في سماتها الجوهرية، الحرب الباردة، مؤكِّدا أن الجيل الجديد من جيش القوة العظمى في العالَم لا خيار له سوى "الخروج مكللا بالغار من الحرب الطويلة على الإسلام الراديكالي"، الذي بسبب أن الحرية لم تزهر بعد في الشرق الأوسط ينجح في جعل هذا المكان من العالَم مُستنبَت إرهاب وأحقاد وتهديد لأمن الولايات المتحدة.
لقد شخَّص الرئيس بوش الداء، ثم وصف الدواء، فـ "انعدام الحرية" في الشرق الأوسط، أي في القلب النفطي من عالمنا العربي، هو الذي يخلق "الإسلام الراديكالي"، وريث الشيوعية السوفياتية في العداء للعالَم الذي تتسيَّده الحرية، ويخلق معه، وبه، ومنه، أناسا يحملون حقدا على الحرية في الولايات المتحدة، فيتَّخذون الإرهاب وسيلة يهددون بها أمنها القومي وأمن مواطنيها. وليس من دواء لهذا الداء سوى "الحرب".. الحرب الطويلة على "الإسلام الراديكالي"، وعلى أتباع هذه "العقيدة المدمِّرة"، والتي يمتد مسرحها من دمشق إلى طهران، ولن تضع أوزارها إلا عندما يتمكن الجيل الجديد من جيش الولايات المتحدة من إحراز النصر، و"تحويل العدو القديم إلى حليف ديمقراطي جديد"، كما حدث في أفغانستان والعراق.
إنه "الوعد" و"الوعيد".. وعد بنصر مبين على الإرهاب و"الإسلام الراديكالي" يحرزه الجيل الجديد من جيش الولايات المتحدة، فتَنعم بأمن مديد، أو بما يشبه "السلام الروماني"، مسبغة نعمة "الحرية" على شعوب الشرق الأوسط؛ ووعيد كـ "يوم الوعيد"، فيه نستقبل "الديمقراطية الدستورية" في صورتها العراقية ليشتد فينا الشوق والحنين إلى "العهد القديم"!
ولكن لماذا الشرق الأوسط من دون سواه يستحوذ عليه الرئيس بوش باهتمامه الديمقراطي، ويشغفه حبَّا بالحرية، حتى كاد ينسى العالَم كله، ويُعامِل منطقتنا الغنية بـ "الإسلام الراديكالي" و"الاستبداد"، أي الغنية بالنفط، على أنها "أرض الميعاد الجديدة"؟!
الرئيس بوش ليس له من مصلحة في وعي يضيِّق الفجوة بينه وبين "قانون النفوس والنصوص"، فـ "الإسلام الراديكالي"، الذي يمعن الرئيس بوش في شيطنة صورته، ليس من صنع "نفس أمَّارة بالسوء"، أو "نص ديني"، حتى يصوِّر لنا، ولشعبه، وللعالَم، الصراع على أنه "صراع عقائدي صرف"، يخوضه بسيف يقطع به الرؤوس والأيدي في سبيل "تجميل النفوس" و"تنقية النصوص".
ولو أراد الرئيس بوش الانحياز إلى الحقيقة ضد المصالح التي تمعن في تشويهها ومسخها وتزييفها لقال القول الفصل.. لقال إن الولايات المتحدة لا تملك في حربها على الإرهاب، أو "الإسلام الراديكالي"، إلا سياسة تعكس في تناقضها تناقض المصلحة المؤسِّسة لها، فمصلحتها في المضي قدما في تلك الحرب إنما هي في وحدة وصراع دائمين مع مصلحتها في إنشاء وتطوير "البنية التحتية" لهذا "العدو الجديد".
إننا مع الرئيس بوش في قوله بضرورة أن تنتشر الديمقراطية، وأن تزهر الحرية، في الشرق الأوسط، ولكننا نختلف معه في "الوسيلة الفضلى"، فازدهار الحرية، وتوسيع وتعميق الديمقراطية، في الولايات المتحدة ذاتها هو في حد ذاته الوسيلة الفضلى لانتشار الديمقراطية، وازدهار الحرية، في الشرق الأوسط. عبر المفردات والعبارات الديمقراطية في خطاب الرئيس بوش لا نرى إلا تقاربا في الاتجاه المعاكس بين العالَم العربي "الاستبدادي" والولايات المتحدة "الديمقراطية"، فالحرب على الإرهاب، بحسب المنطق الذي يقول به الرئيس بوش، شرعت تجعل الولايات المتحدة أقل ديمقراطية وحرية، وكأن مستقبلها السياسي تراه في ماضينا السياسي الذي لم ينتهِ بعد! جواد البشيتي