'كش قذافي' فات أوانها في سوريا

سيقال جزافا أن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ما كان من الممكن أن ينتهي نهايته المأساوية المعروفة، لولا أن خذله أصدقاؤه الاوروبيون. وهو قول يجتزيء من الحقيقة قدرا كبيرا من تفاصيلها وأوجهها وقوة معانيها. فالقذافي الذي كان يعيش منفصلا عن الواقع، عاكفا على ذاته المتضخمة هو من أسس لقطيعة تامة مع الشعب الذي كان يحكمه عن طريق أجهزته الأمنية ولجانه الثورية. حتى أنه حين سمع تلك الـ"كش" قادمة من بنغازي لم يصدق أذنه، وظن أنها مجرد دعابة. أما حين وصلته على شكل ضربات جوية قاصمة فقد كان الوقت قد فات.

في حقيقة أمره فان القذافي لم يكن يحكم دولة بمؤسسات حكم راسخة، تستند في عملها إلى مرجعيات قانونية بل كانت ليبيا في عهده مجرد اقطاعية شخصية، لا يشاركه في تقرير مصيرها أحد. لم يكن لأقرب معاونيه أو تابعيه القدرة على أن يفعل شيئا، إلا إذا كان ذلك الشيء منسجما مع مزاج الزعيم المتقلب. بطريقة أو بأخرى كان القذافي بسبب شخصيته المعقدة والمثقلة بشذوذها كان يلقي على العالم الخارجي نظرة ساذجة، هي مزيج من الاستصغار والتفوق والخيلاء والضعف الذي يفصح عن خوف ارتيابي مبطن.

كان مثال القذافي السيء معجزة سلبية فريدة من نوعها في التاريخ. لذلك فان المعارضة السورية حين كانت تحلم بتطبيق الحل الليبي في سوريا قد عبرت عن انفصالها عن الواقع السوري وعن مزاج الحكم الذي انتقل بسوريا من عصر الانقلابات العسكرية والحزبية إلى عصر الوراثة العائلية. نقص في المعلومات ظهرت من خلاله تلك المعارضة كما لو أن أفرادها لا يعرفون شيئا عن طبيعة النظام الذي يتحكم بمقاليد الأمور ومصائر الناس في بلادهم منذ أكثر من أربعين سنة.

كان عليهم أن يدركوا أن سوريا ليست ليبيا وأن درعا ليست بنغازي وأخيرا أن بشار الأسد ليس معمر القذافي. فعلى العكس تماما من ليبيا فان الاسد الابن كان قد ورث دولة مؤسسات وحزبا تصل يده إلى كل مكان وأجهزة مخابرات وأمن لديها معلومات عن أكثر الأشياء تفاهة في حياة السوريين واقتصادا مستقرا وجيشا مسلحا لم يستعمل إلا في النزهة اللبنانية وأخيرا علاقات وفاء تربطه بقوى دولية كانت ولا تزال جاهزة للدخول في حرب عالمية من أجل حمايته.

كل هذا الارث الذي لا يستهان به كان سببا لفشل الـ"كش" التي لم تقلها المعارضة السورية وحدها، بل شاركها فيها العالم الغربي كله والجزء الاكبر من العالم العربي ممثلا بجامعة الدول العربية. بل أن روسيا استطاعت أن تلغي تلك الـ"كش" وبموافقة اميركية من جدول أعمال مؤتمر جنيف 2 الذي يأمل المشاركون فيه أن يرسموا سياسيا صورة لسوريا المستقبل بعد أن انتهت الحرب إلى طريق مسدودة.

كانت المعارضة السورية مصرة على أن يكون استبعاد الأسد شرطها للذهاب إلى جنيف، غير أنها عدلت عنه، لا لأنها استوعبت الدروس الموضوعية التي نتجت عن حرب عبثية أفضت بسوريا إلى خراب لا سابق له في تاريخها بل لأنها أدركت أن عدم ذهابها إلى جنيف يعني تخليها عن الشعب السوري ومنح النظام لحظة الظفر التي ينتظرها.

بالنسبة لجزء كبير من المعارضة وهو الجزء الذي كان يراهن على الحل العسكري فان بقاء الاسد في الحكم ولو ليوم واحد بعد الحرب انما يعني خروجه منتصرا. وهو رأي لا قيمة له أمام ما يجب أن يشعر به الجميع من مسؤولية تاريخية للخروج بسوريا من مستنقع الدم والكراهية والدمار الذي صارت تغرق فيه. وهي المسؤولية التي تحتم على الجميع نظاما ومعارضة الاعتراف بفشل خياراتهم السابقة والركون إلى خيارات بديلة.