كشف العالم السري لمليون طفل مشرد في مصر

القاهرة
التجمعات العشوائية.. بؤرة التشرد

كشف اعتقال الشرطة المصرية لبعض الأطفال على خلفية التحقيق في بعض جرائم اختفاء وقتل عدد من الأطفال والفتيات، وقد أدى توالي اعترافات أفراد هذه العصابة من الأطفال والمراهقين ممن هربوا من منازلهم لأسباب مختلفة أغلبها تحطم أسرهم وطلاق الأب والأم وانتشار الفقر، عن جانب مظلم من المجتمع الذي يأكل أبناءه مع دوران آلة الحياة بلا توقف.

ورغم اعتقال البوليس المصري لزعيم هذه العصابة الملقب باسم "التوربيني" (كناية عن أسم قطار سريع في مصر) وعدد من أعوانه، واعترافه بقتل قرابة 18 من الأطفال الذكور والإناث عقب الاعتداء عليهم جنسيا ودفنهم أحياء أو إلقائهم من فوق أسطح القطارات وهي تسير بسرعة، فلا تزال المفاجآت تتوالى لتكشف المزيد من أسرار هذا العالم السري، ولتكشف عن أن هؤلاء الأطفال ضحايا للتفكك الأسري هم بمثابة "قنبلة موقوتة" ومخزن بارود للجرائم المختلفة.

القضية الصدمة، أصابت العديد من الآباء والأمهات الذين اختفى أبناؤهم بالرعب، لتشهد أقسام الشرطة المختلفة تقديم عشرات البلاغات الجديدة عن أطفالهم الغائبين وطلب سؤال "التوربيني" إن كانوا أحد ضحاياه، كما أعادت فتح العديد من ملفات الشرطة عن أطفال صغار مقتولين لم يتم التعرف على هويتهم أو أهلهم وتم دفنهم في مقابر الصدقة.

أما القضية الأكثر أهمية التي بدأت عشرات المنظمات الحقوقية والاجتماعية تبحث وتنقب حولها، فهي البحث عن الأسباب الحقيقية لهرب الأطفال والمراهقين والمراهقات من منازلهم، وأعدادهم وأسلوب حياتهم في البنايات المحطمة أو غير المسكونة أو سراديب محطات المترو ومخازن القطارات، ومخاطر تسببهم في العديد من الجرائم سواء بتورطهم فيها بأنفسهم "سرقة، قتل" أو تعرضهم لجرائم "تحرش جنسي وقتل".

تفاصيل القضية

وألقت قضية قتل عدد كبير من الأطفال وإلقائهم بين شريط القطار أو في سراديب أنفاق القطارات ومخازنها وبدروم العمارات، الأضواء بشكل أوسع على قضية "أطفال الشوارع" في مصر بعدما تبين أن هناك عصابة من هؤلاء الأطفال السابقين ممن تخطوا سن الـ 20 وراء هذه الجرائم.

وكشفت تحقيقات الشرطة المصرية عن أن العصابة تضم 5 أشخاص وأنهم قتلوا 18 طفلاً في ستة محافظات، وأن المتهمين ارتكبوا جرائمهم بإلقاء الضحايا أمام القطار بعد الاعتداء عليهم جنسياً أو دفنهم في بالوعات الصرف الصحي أو إلقائهم في النيل، أو دفنهم أحياء ببعض الأماكن والشوارع والأنفاق المهجورة، وأنه تم قيد تلك القضايا ضد مجهول.

وفجر أحد المشتبه بهم في عصابة قتل الأطفال وعمره 18 عاما مفاجأة، حيث ذكر أن زعيم العصابة بدأ عمليات القتل انتقاما لهجوم كان هو ضحيته عندما كان طفل شوارع عمره أقل من عشرة أعوام ، وكشف المتهم أن "عقدة" قديمة في حياة زعيم العصابة "التوربيني"، هي سبب جرائم القتل المتكررة، وأن المتهم الأول أخبره بأنه كان طفلا دون العاشرة من عمره، عندما استدرجه شاب إلى قطار الإسكندرية، واعتدى عليه جنسيا أعلى القطار، ثم ألقى به أمام قطار قادم في الاتجاه المعاكس، وسقط فوق قطعة حديد كبيرة شقت بطنه وظل شهراً بالمستشفى، وبعد سنوات قرر الانتقام من أطفال الشوارع بالاعتداء عليهم وقتلهم بطرق مختلفة كما حدث له.

مليون طفل شوارع

وتشير تقديرات لمنظمة الصحة العالمية أن أطفال الشوارع في مصر يزيدون على مليون طفل مشرد يجوبون الشوارع نهاراً للسرقة أو الشحاذة، وفي الليل ينامون في الخرابات والمباني المهدمة أو على الأرصفة فيما تقدرها مصادر اجتماعية أخرى بما بين 900 الف ومليون ونصف طفل.

كما تظهر الأرقام الرسمية أن حوالي 2.7 مليون طفل يعملون في مصر أي حوالي 10 في المائة من السكان دون سن 14 عاما، وتشير دراسات اجتماعية إلى أن قسما كبيرا من هؤلاء الأطفال تسعى عائلاتهم لإخراجهم من التعليم بسبب الفقر وتشغيلهم وهم أطفال أو أنهم يهربون نتيجة خلافات عائلية.

كما تشير دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أن مدينة القاهرة هي أكثر المدن التي ينتشر بها المشردون ونسبة كبيرة منهم من الأطفال، حيث تؤوي في شوارعها 31.6 في المائة من المشردين، تليها محافظة بورسعيد 16.8 في المائة، بينما تقل النسب في مدن ومحافظات الجنوب.
يقول أحمد المجدوب أستاذ علم الاجتماع أن الفقر والتفكك الأسري وراء انتشار هذه الظاهرة، حيث يأتي معظم هؤلاء من عائلات مفككة أو فقيرة، ويرجع المجدوب أسباب هذه الظاهرة عموما إلى التفكك الأسري والفقر ونمو وانتشار التجمعات السكانية العشوائية التي يرى أنها البؤر الأولى والأساسية المفرزة والمستقبلة للأطفال المشردين .

كما يرفض تسميتهم "أطفال الشوارع" لأنها مستعارة من التسمية التي يطلقها علماء الاجتماع على اللقطاء في دول أميركا اللاتينية، في حين أن الأطفال المتسكعين في شوارع مصر لهم عائلات يعرفونها وبعضهم يبيت في منزل أسرته، وإن كان يقضي نهاره وجزءا من ليله هائما على وجهه في الشارع، ولذلك يفضل أن يطلق عليهم اسم "المشردون" .

وينتشر هؤلاء الأطفال في الصباح في الطرقات العامة ومواقف السيارات والقطارات للشحاذة أو النشل أو بيع بعض البضائع الهامشية مثل ورق المناديل، ويتجمعون غالبا في الحدائق العامة، حيث يتعاطون السجائر، أو يشمون المواد المخدرة الصناعية مثل مادة "كُلَّة" اللاصقة، وغالبا ما ينتهي ببعضهم الحال إلى الإدمان على المخدرات والانخراط في جرائم كبيرة.

وتتعاظم المأساة حينما يكون طفل الشارع فتاة صغيرة أو مراهقة حيث ينتهي بها الحال غالبا للاغتصاب على أيدي زملائها أو مجرمين آخرين، وقد تحترف الدعارة، وقد روت احدى هؤلاء الفتيات روايات مثيرة لبرنامج "الناس وأنا"، الذي عرض في شهر رمضان الماضي عن العالم السري لهؤلاء الأطفال وكيف تضع بعض الفتيات شفرات موس الحلاقة في أعلى الفم لاستخدامه في الاعتداء على آخرين ونشلهم.

كما قام بعض الصحفيين المصريين بمغامرات صحفية داخل بعض أوكار أولاد الشوارع، حيث أكدوا أنهم اكتشفوا عالما غريبا من الدعارة والمخدرات والشذوذ والقتل بين هؤلاء الأطفال الذين ألقاهم أهلهم في الشوارع فالتقطهم المجرمون وبعض أفراد هذه العصابات ومارسوا عليهم الضغوط للسرقة والدعارة حتى أصبحوا منهم. (قدس برس)