كسر الحاجز

قصة قصيرة بقلم: مصطفى نصر
كورنيش الإسكندرية

كنت أصلى العشاء بمسجد أبى العباس المرسي، فقد حرصت منذ أن أحلت على المعاش أن أصليها هناك. بينما كنت منشغلا بالصلاة؛ لاحظت أن رجلا يتابعني، رأيته بطرف عيني، ولمت نفس لأنني اكتشفته، فالمفروض ألا أراه، أو أحس به وأن أكون خاشعا تماما في صلاتي فلا أرى ما حولي، لكنه ألح في مطاردتي.
بعد أن أنهيت الصلاة، والتفت يمينا ويسارا لأسلم، وجدته بجواري، قال:
ـ تقبل الله منا ومنك.
وضعت يدي في يده وتمتمت. وقفت استعدادا لمغادرة المسجد؛ فسار خلفي ممسكا بحذائه، قال:
ـ ألا تعرفني، إنني عباس جارك.
ابتسمت قائلا:
ـ ربما رأيتك من قبل.
اقترب مني وأنا أضع الحذاء على الأرض خارج المسجد، قال وهو ينحني لأسمعه:
ـ كنت أسكن قريبا منك.
أومأت برأسي ووضعت إصبعي في الحذاء الضيق لألبسه، فشعرت بالاختناق، لضغط "الكرش" على صدري، قال:
ـ ليتك تستخدم "اللبيسة" في لبسه.
انتهيت من لبس الحذاء، كنت ألهث، سرت بجوار سياج المسجد ورجال كثيرون خارجون من المسجد يتحدثون.
سأسير حتى كورنيش البحر لاستنشق هواء نقيا، ثم أبحث عن "مواصلة" توصلني إلى بيتي، لكنني لمحته يسير خلفي. توقفت لأنهي هذه المطاردة، قلت:
ـ قلت لي إن اسمك عباس؟
أسرع نحوي متحمسا ومبتسما:
ـ نعم عباس، أعرف والدك الذي كان يعمل موزعا للبريد.
نعم، أبى كان يعمل في البريد، وكان يسير من بيتنا في "محطة مصر" حتى مقر عمله في المنشية، لكن عباس هذا لا أستطيع أن أتذكره.
ـ أبوك كان يحمل حقيبة الخطابات الكبيرة في يد، والأطعمة وأكياس الفاكهة باليد الأخرى.
أومأت برأسي، كنا قد وصلنا لشارع "محمد كريم"، قال:
ـ الترام كانت تمر من هنا وتصل بنا بسهولة حتى بيتنا، لكن المحافظ ...
لم يكمل. قلت وأنا أمد يدي له مودعا:
ـ فرصة سعيدة يا أخ عباس، سأسير ناحية البحر.
صافحني متمتما ثم سار خلفي، اقتربنا من الحديقة هناك، قال:
ـ كنت أتابعك وأنت تستذكر دروسك طوال الليل.
ابتسمت له أكثر ؛ فأكمل:
ـ كنت تقف في الشرفة في عز البرد؛ فتنبأت لك بالنجاح.
ضحكت، أردت أن أسأله عن صلة تحمل البرد بالنجاح، لكنني لم أرغب في أن أعطيه فرصة للبقاء، فمنذ أن أحلت على المعاش وأنا أبتعد عن معارفي القدامى، أقضي وقتي في متابعة الأغاني القديمة: عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الغني السيد، وأشد النفس من الشيشة، لكن وقت الصلاة أقوم مسرعا لأتوضأ وأغسل فمي من رائحة الدخان.
سأقضي الوقت المتبقي من عمري في هدوء، وفي أشياء أتلذذ بها، فلن أسمح لأحد بأن يزعجني بآرائه، قال:
ـ مجدي صديقك القديم مات.
التفت إليه في أسى، أردت أن أسأله عنه، فقد كان مجدي صديقي، وكان يسكن البيت المقابل لبيتي. يأتي إلي بيتي مساء فنستذكر معا، لكنه اكتفى بالشهادة المتوسطة وترك الحي، وكنا نلتقي بالصدفة كل عدة سنوات، فلا يطيل البقاء معي، وعلمت بموته بعد ما يزيد على عام؛ وبالصدفة أيضا. وحزنت كثيرا لأنني لم أحضر جنازته.
أحسست بالضيق من عباس هذا، قلت في نفسي "هي كانت ناقصاك؟!" فقد أفسد خطتي التي لا أريد أن أحيد عنها.
بعد صلاة العشاء، كل مساء في مسجد أبى العباس المرسي؛ أحس بشوق لهواء البحر، أسعى إليه سعيا، أجتاز الطريق المزدحم بالسيارات بصعوبة، ذكرى صديقي مجدي أحزنتني.
عندما شرعت في اجتياز الكورنيش؛ شدني عباس في عنف ليبعدني عن سيارة تأتي مسرعة، قال:
ـ كدت تقتل نفسك بهذه السيارة.
كنت أود أن أسرع قبل أن تصل السيارة إلىّ، لكي أهرب منه، لكن قائد السيارة كان أسرع مني.
عندما فشلت محاولتي في الهروب منه، أمسكت بذراعه وقلت له:
تعال لنجلس في هذه القهوة.
لم يعارض، أسرع معي، جلسنا في مقعدين بالخارج. أخرج علبة سجائره وطلب قهوة زيادة، أخذ يفتح العلبة بأسنانه، بينما انشغلت بمتابعة الطريق المزدحم.
طلبت "آيس كريم"، (كان ضمن برنامج يومي أن أتناول "الآيس كريم" وأنا أتابع البحر الهادئ في هذه الأيام).
قال وهو يمسك السيجارة التي لم تشتعل بعد:
ـ ابن عمك يسأل عنك.
ـ أي ابن عم؟
ـ الذي كان يلعب الكرة معك.
ـ كلهم كانوا يلعبون الكرة معي.
شردت طويلا، فقد أنجب عمي عددا كبيرا من الأولاد: سعد الله وفضل الله و... ياه، لقد نسيت عددهم، فقد تباعدوا عنا، بعضهم يسكن مرسى مطروح والبعض يسكن الإسماعيلية، ولا أدرى أين يسكن الباقي.
ـ إنه مريض جدا ويتمنى أن يراك قبل ...
لم يقل الكلمة، تخيلت ابن عمي فضل الله، كان أطول مني بكثير، وشعره ناعما ومسترسلا فوق قفاه، وتهواه البنات في حينا، كنت أفضل منه في الدراسة، فهو يقضى معظم وقته في الشارع، يلعب الكرة ويمازح الفتيات والنساء. أتراه فضل الله؟ ربما. سألته:
ـ تعرف فضل الله؟
ـ في الحقيقة أنا أحتار في أسماء أبناء عمك، لكن المريض الذي يريد أن يراك أصلع و...
قد يكون سعد الله، فقد كانت له صلعة صغيرة منذ صغر سنه.
ـ الذي أعرفه عنه جيدا إنه يسكن "السيوف".
ـ مادام يريد أن يراني وهو مريض؛ فلابد أن نذهب إليه. تعرف بيته؟
ـ نعم، فقد زرته كثيرا.
***
وقفنا في الطريق نبحث عن تاكسي نذهب به إلى السيوف.
جلسنا في الخلف، قال:
ـ أسكن الآن في "الناصرية"، تعرفها؟
ـ لا، أسمع عنها.
بعد أن تهدم بيتنا، أعطونا مسكنا هناك.
أريد أن يصل التاكسي في أقل وقت ممكن إلى بيت أبن عمي الذي لا يريد أن يموت قبل أن يراني، وأن ينتهي هذا اللقاء الغريب. السنوات مرت مسرعة، قضيت بعضها في بلد عربي غني، وانتهت سنوات العمل، ولم يتبق سوى التنقل من مسجد إلى آخر وسماع أغاني الطرب، وفحم الشيشة المشتعل طوال اليوم وجزءا كبيرا من الليل.
الأموات في حياتي أكثر من الأحياء. مات والدي موظف البريد وأمي التي كانت تحيك الملابس للناس على ماكينتها لتعين أبى على قسوة الحياة، ومات أخي الذي يكبرني بعام ونصف، وكنا نلعب الكرة معا، ونذهب إلى السينمات معا.
أحاول أن أبتعد عن هذا الشجن، أبكي عندما أسمع عبدالوهاب يغني "من قد إيه كنا هنا" لكن عباس هذا جاء ليعيد لي كل الأحزان مجتمعة، كلما سألته عن شخص كان يتعامل معي في الحي؛ يقول: "لقد مات منذ سنوات عديدة."
كان ينظر من زجاج التاكسي إلى البنايات العالية في "السيوف"، وصاح فجأة لقائد التاكسي:
ـ توقف هنا.
نزلنا إلى أرض الشارع، نظر إلى بيت لونه أصفر وقال:
ـ لا، ليس هذا هو البيت.
لم أجبه، سرت خلفه، شعرت بالاختناق، نسيت أنني أعيش في الحياة، نسيت اسمي، إنه حلم سخيف، وليل طويل لا ينتهي. قال:
ـ بيته لونه أصفر، لكنه أكثر ارتفاعا. وفي أسفله صالون حلاقة.
اقتربنا من حديقة وجندي مطافئ يجلس بجوار عربة حريق كبيرة، قال:
ـ لا، الحديقة كانت في الخلف.
سرت معه، لو نطقت؛ سأصرخ وربما يصل الأمر لأن ألكمه في وجهه، قال:
ـ لقد زرته أكثر من مرة، إنه يسكن في الدور الرابع.
أردت أن أجلس في الحديقة لألتقط أنفاسي، لكن الوقت يمر مسرعا والشمس تكاد تغرب ولابد أن أعود إلى بيتي لأستعيد حياتي التي يكاد يضيعها هذا الشخص الذي أحاول أن أتذكره دون فائدة.
خرجنا من الحديقة واقتربنا من جندي المطافئ، حدثه:
ـ أبحث عن بيت مرتفع ولونه أصفر وتحته صالون حلاقة.
شرد الجندي قليلا، ثم أشار إلى شارع بعيد، فواصلنا السير ثانية. قلت له:
ـ حاول أن تتذكر اسمه ليسهل الوصول إليه.
ـ أذكر لي أسماء أبناء عمك لأتذكره .
ـ فتح الله وفضل الله و...
وصمت، فقد تبخرت كل الأسماء من ذاكرتي.
واجهنا بيت قصير تحته أستوديو للتصوير فقال في فرح:
ـ ها هو البيت.
قلت مندهشا:
ـ لكن هذا ليس مرتفعا ولا لون له.
كان البيت بلا طلاء، واجهته متروكة بالطوب الأحمر. قال في تصميم:
ـ هو، هو.
ـ أين دكان الحلاقة؟
ـ تحته مصوراتي، لكنني نسيت.
دخلنا البيت، كانت دخلته ضيقة ومظلمة ودرجاته متآكلة.
دق باب أول شقة قابلته، قلت في دهشة:
ـ إنك تقول "إنه يسكن الدور الرابع"؟
ربت فوق كتفي مبتسما:
ـ هو، صدقني، هو.
فتحت الشقة امرأة عجوز، قال:
ـ الأستاذ موجود؟
أخلت المرأة الطريق لكي ندخل الشقة. إنني لا أعرف زوجه ابن عمي. فقد تزوج عندما كنت غائبا عن الوطن، هكذا كتب لي أخي الذي مات، قال إنه تزوج امرأة قابلها في بيت سري بشارع قريب من بيتنا، كان يجلس في قهوة أمام البيت ليتابعها وإنها تابت وتزوجته. قالت العجوز:
ـ تفضلا.
كان الرجل نائما على جانبه، ينظر إلينا بعينين متعبتين، لم يرفع رأسه عن الوسادة ولم يرحب بنا، لا كلمة ولا ابتسامة.
جلست فوق مقعد خال أمام السرير، حاولت أن أعرف إن كان المريض فضل الله ابن عمى، أو فتح الله شقيقه. لكنني لم أجد فيه شبها لأي منهما. قلت لنفسي "ربما أخ آخر، فأولاد عمى كثيرون."
ربت على يده الممتدة خارج السرير:
ـ ها قد أتيت من أجلك، ألا تتذكرني؟
قال في صوت ضعيف وهو ينظر بعيدا عني:
ـ إنك مهندس المصنع الذي كنت أعمل به منذ أكثر من عشرين عاما.
صاح عباس وقد انحنى جسده فوق جسد المريض:
ـ لا، هو ابن عمك الذي تريد مقابلته.
رفع الرجل رأسه قليلا، نظر إلى عيني وصاح غاضبا:
ـ عمى مات من قبل أن يتزوج.
قلت:
ـ ربما عم آخر سواه.
صاح بصوت مرتفع مستغيثا بزوجته:
ـ لم يكن لي عم سواه.
قال عباس:
ـ لقد زرتك منذ أيام قلائل وطلبت منى أن أبحث عن ابن عمك.
جاءت زوجته، نظرت إلينا في ريبة، وقال المريض لعباس:
ـ إنني أراك لأول مرة.
قلت في خوف:
ـ أكيد أخطأنا في معرفة البيت.
قمت من مكاني، سرت في الطرقة ذات الضوء الخافت، والمرأة تتابعنا لكي تتأكد من خروجنا.
خرجنا من الباب الذي لم يغلق منذ أن دخلنا.
صحت في عباس غاضبا:
ـ أسنظل هكذا نبحث عنه؟!
ـ إنني واثق من وجوده، سنبحث من جديد. مصطفى نصر ـ الإسكندرية