كريستاليس كوستاس .. يتسابق وحده مع الموت

الغربة تغصُّ بآلام لاحصر لها

ليس هناك محتوى ما لتحديد وتعريف الفاعلية الشعرية أي المديات التي يمكن أن تتسع إليها سواء داخل زمن ما أو خارجه وليس هناك من عام في الشعر وشيء لا يتغير والشعر مركز لإستقطاب الهموم والشعراء هم مشرعو العاطفة وتدفقهم ضمن نزعاتهم هو التدفق التلقائي الذي يستجيب للحظته.

وإستجابة اللحظة هو تراكماتها عبر الزمن المفقود حين يكون الحدث غير قابل للشفاعة بأي شيء إذ ذاك يقوم الشاعر بشحن منفلت غير فوضوي كي يحسن التنسيق من أجل غايته خاصة إذا كانت الغاية تعبر عن تجربة حياتية عاشها الآخرون، فالشاعر عليه أن يكون في مثل هذه التجارب معبرا عن خاصيته التي تنطلق من مسافات بعيدة لكنها على تماس من المحركات الانسانية لغيره وعلى تماس من إشباع غريزة المتلقي الذي قد يكون مر بتجربة مشابهة لتجربة الشاعر، وهنا الحكم لا يكون على أمكانية اللغة بل إمكانية متحسسات الشاعر في متحسسات لغته ضمن دافع النيل من وضاعة قبول التعبير المتكرر والذي يبنى على مفردات الإحباط والنكوص المعروفة.

وقد قدم الشاعر اليوناني كرستاليس كوستاس نموذجه في تعريف الغربة من تراثه الشخصي للهموم الكثيرة في شعوره العميق حيث جمع المتضاد والمنسجم بنظام أكثر تحكما لقبول إنفعاله المضطرد وهو منتبه تمتما لكل التأثيرات الباطنية خارج مدارات حدثه، لا شك أنه قد أثرى بألمه مهاراته والذي استطاع بها أن يرقى الى المضمون الجمالي المطلوب فيما إختلجت به روحه إزاء ما تكونت لديه من أحاسيس نهائية أطلقها بقوة في عملية اشتغاله:

آه .. أن الغربة تغصُّ بآلام لاحصر لها ..

وبمهانة لاحد لها ..

ففي أرض الغربة

لا تزهر الأشجار أبان الربيع ..

ولا تناهي لسمعك أبدا

زقزقة العصافير ..

ولا تشرق الشمس .. وأن شرقت لا تبعث بالدفء ..

لا تكتسي الجبال بالزروع

ولا السهول باللون الأخضر ..لا يروي الماء الظمأ ..

أما لقمة الخبز ..

فتملأ الحلقوم بالمرارة ..

إن مجهولية المصير وإدراك الواقع تخففان من تأثير الخيال الكلي لدى كوستاس، ففي الغالب وضمن إطار غربته فهو على بينة من شكواه المدمرة إذ لا باب هناك للإحتجاج ولا وجود لشيء خيالي، لا وجود للحقيقة التي تحيطه بتفاصيلها المقيتة والتي تخبره بأن لا شيء سيكون وليس من إحتمالات سوى المزيد من القهر الذي لا يداوى إلا بالمزيد من طرح الأسئلة والتي هي كذلك تعمق المزيد من الجراح:

حين يداهمك المرض فمن ذا الذي سيأتيك ..

ومن ذا الذي يقدم لك الدواء ..

ومن ذا الذي يسهر على وسادتك

حين يستبد بك الأرق ..

من ذا الذي بوسعه أن يسعد قلبك .. ومن ذا الذي يمكنه أن يدفعك للإبتسام ..

وأنى لك أن تحضي فيها بقبلات الأمهات .. بضحكات الأشقاء .. أو بصحبة الخلان.

إن قوى التشارك الوجداني تعمل بوساطة التكثيف الحسي وتجد لها قوة في أماكنها المختارة عبر القفزات التي يقودها المؤثر النفسي فالتعبير عن أي شعور ما حلقة من التداعيات النفسية التي تحدث في عالم اليقظة وبأقصى ذروة لها وهو عرض لمهارة ضبط المشاعر بإتجاه قضية محددة كي يكون المرسل إليها مضغوطا بمعناه ولاشك أن الصورة الشعرية هنا غير إنتقائية كونها متصلة بتوابعها من الصور الأخرى التي يهيأ لها إستقلاليتها في الوحدات العضوية لتدعم التأثير المتبادل والمنسق في عموم الجمل الشعرية، إن ذلك التطابق كامن في تأثير البناء التكاملي للنسق الشعري والذي مزج فيه الوصفي والتأملي في إستقراء النتائج الغائبة والتي لا بد أن تحل فلا وجود لما هو مفترض في القدر، ولا وجود لعامل الصدفة في مواجهة الموت وهي تخلو من الوسائل المساندة لقبوله برضا وراحة وطاعة.

أما حين يحل اليوم الكئيب المرير ..

وتحين منيتك في أرض الغربة ..,

فمن ذا الذي سيغمض عينيك ..

ومن ذا الذي سيتولى غسل جسدك ..

ومن ذا الذي سيتكفل لفه بالأكفان ..

من ذا الذي سيطرح بنفسه في حزن وألم

على نعشك .. ومن سيرثيك ..

أنك تعلم

تعلم

كيف يوارون أجساد الغرباء الثرى ..

وكيف يذهبون بهم لمثواهم الأخير..

بغير شموع وبلا بخور

وبغير كاهن وشماس ..

لقد حوّل كوستاس كل شيء الى شعر لتكون هناك دالة شعرية والدالة الشعرية تهيأ كي تكون بدايات الدالات الكونية برمزية ممتلئة بالوهج الغامض وذلك النشاط غير قابل إلا أن يبلغ لامتناهيه اللاشعوري في بيئة تجدها أينما تريد على خارطة الألم اللامحدود والذي يتسابق فيه الموت وحده مع الموت.

(هامش: كرستاليس كوستاس .. شاعر يوناني)

annmola@yahoo.com

شاعر عراقي – مقيم في قطر