كركوك وغياب التوافق الوطني

بقلم: مهند حبيب السماوي

لا يخفى على أحد أن العملية السياسية التي تجري في العراق قامت على نوع من الديمقراطية يمكن ان نطلق عليها أسم الديمقراطية التوافقية، والتي تتضمن مفهومين او مصطلحين لكل منهما دلالة معينة. فالديمقراطية تشير ببساطة الى مبدأ الانتخاب الحر للشعب بطريقة الاقتراع، وبذلك فالذي يحكم سوف يكون هو من يحصل على الاصوات الاكثر في هذا الانتخاب، اي الحكم للاكثرية البرلمانية كما هو معروف في العرف السياسي الذي أستقر في العصر الحديث. اما التوافق فيشير الى اتفاق الارادات السياسية فيما يتعلق بالقرارات المصيرية الحاسمة التي تتعلق بحاضر أو مستقبل بلد معين.
ولان العراق بلد حديث العهد بالديمقراطية من جهة، ويتكون مجتمعه من فئات وطوائف متعددة من جهة أخرى، فان الديمقراطية في نظامه السياسي سوف لن تكن صائبة في هذا الوقت (وأشدد على هذه الكلمة)، ولهذا وُضع وصف التوافقية لهذه الديمقراطية التي ظهرت في العراق لأول مرة بعد سقوط النظام السابق لتعني ان الحكم الذي سيكون للاغلبية التي جاءت بالتصويت سوف يكون أيضاً بالتوافق السياسي مع بقية المكونات والشرائح التي تشكل الموزائيك العراقي بحيث لا يمكن أن يُمرر أي قرار سياسي خطير يمس السيادة او يتعلق بقضية كبرى من قضاياه، كتمرير الدستور أو قضية كركوك أو قانون مجالس المحافظات أو قانون النفط والغاز ما لم يوافق عليه جميع التيارات السياسية الكبرى التي تشارك في العملية السياسية في العراق.
وفي الحقيقة أنني أوكد على كلمة "الكبرى" في وصفي للتيارات السياسية في العراق حيث لا يمكن ارضاء جميع الاطراف التي لها جهات ممثلة في البرلمان العراقي اذ لا بد ان تكون هناك جهات معارضة لاي قرار، ولا يمكن ان تكون هناك حالة تطابق تام لكل قرار سياسي هام، إذ ان التطابق اقرب الى عالم الخيال والاحلام منها الى الواقع والحقيقة.
وفي التصويت الاخير على قضية كركوك، أرى من وجهة نظري الشخصية التي ازعم انها مستقلة ومحايدة، حدوث خلل كبير وخطأ فادح لا يمكن ان يكون متناسباً مع مبدأ الديمقراطية التوافقية التي بُنيت على أساسها العملية السياسية في العراق. اذ كيف يمكن ان تسير العملية السياسية على مبدأ التوافق وفي قضية كركوك نتجاوز عن هذا المبدأ او نتخلى عنه ولا نعمل به.. وهي القضية التي لها أهمية كبرى، بل لعلها أهم من بقية القضايا التي مررها البرلمان العراقي ويمكن ان تسيل فيها دماء عراقية عزيزة وغالية.
ان وجه أعتراضي على هذه القضية وعلى التصويت الذي حصل، يكمن في هذه القاعدة البسيطة التي تقول "لا يمكن ان نمرر قانونا او نصوت على قضية كبرى ومكوّن كبير (كالأكراد مثلاً) ليس لهم دور فيه او معترض عليه او حتى غير موجود تحت قبة البرلمان بسبب خروجه منسحباُ منه". وهو أمر ينطبق على كل مكون كبير آخر في العملية السياسية.
أنني أعلم بما سوف يقوله البعض عني خصوصاً ممن يتحامل على اكراد العراق الذين عانوا من ظلم وابادات جماعية على يد النظام السابق، ولكني يا سادتي الكرام أخاطبكم بالعقل، وبأسلوب هادئ وبطريقة موضوعية عسانا نجد من يفهم هذا المقال الذي كتبناه لاجل توضيح ما يكمن في هذه القضية التي سببت شرخاً سياسياً كبيراً بسبب اجراءات خاطئة لم يُنظر فيها الى مصلحة الوطن وقضية التوافق بين مكوناته. مهند حبيب السماوي mohanad.habeeb@yahoo.com