كردستان اليوم اقرب الى الاستقلال من اي وقت مضى

لم يكن هنالك حاجز نفسي بين الكرد والعرب في العراق، في اي وقت مضى، كما هو اليوم. وحتى لو كان الاستفتاء الاخير قد نجح في انجاز الاستقلال للدولة الكردية، فانه لم يكن ليستطيع ان يزرع هذه الحواجز الروحية والوجدانية بي الشعبين، بقدر ما عملت غزوة كركوك الاخيرة (ليلة 15-16 اكتوبر المشؤومة) على غرسه في النفوس من نفور طفح الى السطح فجأة، مثل بركان في المحيط الهادي.

من السهل ان تجر جيوش مدعومة بالاسلحة الاميركية المقدمة مجانا، والخطط الايرانية الموضوعة سلفا، والحشود من الشباب نصف الأمي المسطول بفكرة ان المهدي المنتظر محتجز في كركوك، وتتقدم بهم على مدينة نصف غافية، بعد منتصف الليل.

لكن ليس بنفس السهولة فتق الجرح الذي حدث بعد ذلك، فالى ما قبل ليلة من الهجوم، كان هناك بين نخب الشعب الكردي الكثير من الذين يعولون على المواطنة العراقية، كحل لمشاكل الاقليم الادارية، ولحسم الصراع السياسي في الاقليم والتصدي للفساد بواسطة الحلول التي يقدمها المركز.

لكن ما اقدم عليه السيد حيدر العبادي، بتنسيق اميركي ايراني، من تهور، في تلك الليلة، لا يختلف عن ما عرف به سلفه الاسبق صدام حسين من اجراءات متسرعة غير مدروسة.

لم تكن مطالب الكرد تتجاوز الفيدرالية، لولا الضغوط التي وضعتها الاحزاب الشيعية على الاقليم، وحتى الى ما بعد الاستفتاء، كانت هنالك الكثير من النخب الكردستانية، بما فيها قيادة البارزاني نفسه ما تزال تؤمن بامكانية التعايش المشترك وحل المشكلات مع بغداد عن طريق التحاور والتفاوض. لكن اليوم، بعد غزوة كركوك بالتحديد، لن تجد هنالك مواطن كردستاني واحد يوافق على حل لقضية كردستان بأقل من الاستقلال التام والابتعاد عن بغداد باقصى سرعة، بما فيهم المجموعة التي اتهمت بالخيانة والوقوف الى جانب الحشد العراقي، في السليمانية وكركوك.

هنا قد يعتقد البعض ان الكرد غير قادرين، بعد هذا الاحباط على العودة لمسرح الاحداث، او فرض شروط جديدة. وهذا ما كان يظنه الحكام سابقا ايضا، بعد كل ضربة يوجهونها للشعب الكردي، بانها الضربة النهائية، والقاضية على حلبة الصراع. لكنهم كانوا ينصدمون في كل مرة بانبعاث روح اكثر عنفوان لدى الكرد.

كل ما تزداد الضربات على الشعوب الحية، يزداد نشاط هذه الشعوب، ويتعاظم عنفوانها. وربما من المفيد التذكير بان كل الضربات غير المميتة التي تلقاها الشعب الكردستاني، رفعت مطالبه اكثر، من مجرد الاعتراف بحق الوجود، الى وضع رمز في علم الجمهورية، الى حق التعليم واستخدام اللغة القومية، ثم الفوز بقانون الحكم الذاتي، بعدها النظام الفيدرالي، وصولا الى المطالبة بالاستقلال كجواب على استمرار سياسة العداء غير المبرر التي انتهجها سلف العبادي، السيد نوري المالكي.

وبرأيي فان حركة العبادي قد قضت على اي حل ممكن ان يتصوره المتابع لمستقبل العلاقة بين اربيل وبغداد غير الاستقلال التام، قد تكون بعد سنة او اثنتين، وهذا ما اكد عليه السيد البارزاني بعد اجراء الاستفتاء، ولكنه بالتأكيد هو الحل العملي الوحيد الذي تبقى.

وسيأتي اليوم الذي ينتبه به العراقيون، الى ان الموافقة على نتيجة الاستفتاء، وقبول الاستقلال سلميا، كان سيكسبنا جارا صديقا في شمالنا. لكن تسرع السيد العبادي، وقصر نظره اكسبنا جارا معاديا قد يكون بالفعل ليس اكثر من مجموعة سدود على دجلة والفرات لخنقنا.