كرة القدم تعود الى ساحات بغداد

الامن يعود ببطء لكن الحذر سيد الموقف

بغداد - أخذ ناصر عبد الأمير يتابع أولاده الاربعة وهم يلعبون كرة القدم في ساحة الزهراء بمنطقة الكرخ ذات الغالبية السنية بغرب بغداد. انها رحلة يصحبهم فيها أسبوعيا بعد أن كانت مثل هذه الفكرة مستحيلة قبل عام واحد.
عبد الامير (45 عاما) موظف بوزارة المالية ويقيم بمدينة الصدر الشيعية في شمال شرق بغداد. وعن عبور نهر دجلة من مدينة الصدر للتوجه الى ساحة الزهراء قال "كان الامر أشبه بالانتحار" قبل سنة واحدة.
ورغم أن الوضع في شوارع بغداد أبعد من أن يوصف بالمستقر فان الامر يعود ببطء الى طبيعته بعد عام من اطلاق رئيس الوزراء نوري المالكي عملية فرض القانون حين خرج العنف الطائفي والاقتتال الداخلي وما أسفرا عنه من أعداد القتلى عن نطاق السيطرة.
التغير البطيء ملموس في المدينة بعد العملية الامنية التي سبقت قرار الرئيس الاميركي جورج بوش ارسال 30 ألف جندي اضافي للعراق.
عادت خطوات الاحبة على ضفاف نهر دجلة وعادت المتنزهات الترفيهية تعج بالاسر وباتت قاعات المحاضرات لا تتسع للجالسين في بعض الجامعات.
اختناقات المرور أصبحت ظاهرة بالشوارع بل ان بعض معارض السيارات الجديدة تتحدث عن رواج التجارة.. أمور لم تكن متصورة قبل سنة واحدة.
يقول عبد الامير "قبل الخطة الأمنية كنت أحبس أنفاسي في كل مرة أخرج فيها من بيتي.. كنت أتوقع انفجار قنبلة في أية لحظة".
لكن الثقة هشة ويمكن أن تتبدد بكل بساطة. ويوم الجمعة الماضي نفذت انتحاريتان هجومين في سوقين مزدحمتين لقي فيهما 99 شخصا مصرعهم.
وقال الجيش الاميركي ومسؤولون أمنيون عراقيون ان المرأتين كانتا مختلتين عقليا واستلغهما تنظيم القاعدة.
وقال باسم الذي أصيب أخاه باصابات بالغة في أحد الهجومين "مر عام على بدء الخطة الامنية وانفاق مليارات الدولارات عليها.. والنتيجة موت عشرات الابرياء في دقائق".
وبينما عبرت الولايات المتحدة عن تعازيها لاسر الضحايا حثت العراقيين على عدم التخلي عن المكاسب الامنية التي تحققت بصعوبة.
وقال الاميرال جريجوري سميث المتحدث باسم الجيش الاميركي "ان استمرار القاعدة في استغلال أكثر الناس براءة بالعراق... يعكس الفكر المشوش واليأس والانحطاط الذي تصل اليه القاعدة في محاولتها تدمير مستقبل العراق المشرق"ز
وتمثل عملية فرض القانون بداية استراتيجية جديدة في العراق مع انضمام خمسة ألوية أميركية اضافية الى آلاف العراقيين من أفراد الجيش والشرطة الجدد الذين سينتشرون في شوارع العاصمة.
ومع تركيز القادة على أساليب جديدة لمواجهة المقاتلين يقيم الجنود الاميركيون والعراقيون "مراكز أمن مشتركة" أو مراكز قيادة تتيح للجنود الاميركيين الانتقال من قواعدهم الكبيرة للعيش في الاحياء التي يقومون بدوريات فيها.
وقال سميث ان اجمالي عدد الهجمات في بغداد تراجع فيما يبدو بنسبة 60 في المئة منذ بدء العملية وان نسبة عدد القتلى من المدنيين تراجع بأكثر من 55 في المئة.
وأضاف أن أعداد القتلى في هجمات "عرقية طائفية" انخفضت بأكثر من 80 في المئة.
وأيا كانت الارقام فان أحمد فخري الذي يدير متجرا للملابس الحريمي في حي المنصور ببغداد يلمس اختلافا. يقول "على الاقل لا نرى الان جثثا مسجاة في الشوارع في كل مرة نخرج فيها للعمل".
وتتماشى الارقام التي ذكرها سميث بالنسبة لبغداد مع الاتجاه العام في العراق ككل اذ انخفض عدد الهجمات في مختلف أنحاء البلاد بنسبة 60 في المئة منذ يونيو حزيران الماضي عندما تم نشر 30 ألف جندي أميركي اضافي بالكامل.
هذه التعزيزات اضافة لزيادة استخدام دوريات عناصر الصحوة المشكلة أساسا من متطوعين من العرب السنة وكذلك استراتيجيات الجنرال ديفيد بتريوس قائد القوات الاميركية في العراق الجديدة.. كلها يعزى اليها الفضل في تراجع العنف.
وأتاحت المكاسب الامنية للجيش الاميركي البدء في سحب قوات. ومن المفترض أن تنخفض مستويات القوة الاميركية بحلول يوليو/تموز بواقع خمسة ألوية مما يخفض عدد الجنود الى 130 ألف جندي تقريبا أي الى المستوى الذي كان عليه قبل بدء نشر التعزيزات الاضافية في أوائل عام 2007 .
لكن المحللين يحذرون من أي خفض متسرع لاعداد القوات.
قال ستيفن بيدل الخبير بشؤون العراق في مجلس العلاقات الخارجية في كلمة بالكونجرس الاميركي أواخر الشهر الماضي "الوضع الجديد مازال بعيدا عن وصفه بالوضع المستقر أو الامن".
وأضاف "الاحوال الحالية تتيح مناخا للاستقرار بالعراق أقوى بكثير مما شهدناه منذ فترة طويلة.. اذا قاومت الولايات المتحدة اغراء الانسحاب بشكل أسرع أو أكبر من المطلوب".
ويشكو كثيرون من أن تحسن الامن لم تعقبه استعادة خدمات أساسية. ولاتزال امدادات الكهرباء والماء متقطعة وغير منتظمة على أفضل تقدير في أنحاء العاصمة.
وقال علي الخفاجي الذي يعيش في بغداد "رفض العمال تنظيف مناطق بغرب بغداد لان كثيرين قتلوا فيها في اطلاق نار من سيارات عابرة أو في انفجار قنابل وضعت تحت القمامة".
وقال تحسين الشيخلي المتحدث باسم خطة الامن في بغداد انه يتعين على العاملين في الخدمات الاساسية أن يتخطوا حاجز الخوف. وأضاف "تقديم الخدمات عملية متصلة بالامن. انه يأخذ وقتا".
ويقول اخرون ان اتساخ الشوارع ثمن بسيط أمام ما تحقق من مكاسب.
يتذكر أبو أمير الذي يدفع عربة خشبية عليها بضاعته من الاسماك في شوارع حي الكرادة بوسط بغداد ذلك اليوم الذي جاءه فيه ابنه البالغ من العمر سبع سنوات وقال ان رجالا أوقفوه وسألوه ان كان أبوه شيعيا أم سنيا.
كان أبو أمير يعيش انذاك في منطقة أبو غريب التي كانت يوما معقلا للمقاتلين من العرب السنة في غرب بغداد.
وقال "بعد يومين فقط حزمت أمتعتي وفررنا... فقدت وظيفتي وبيتي وكل ممتلكاتي. لكن كل هذا لا يمثل شيئا أمام نعمة العيش في سلام".