كرة القدم تخفف الضغوط عن الحكومة المصرية

حلول الحكومة المصرية تمر من هنا

القاهرة - كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحا، وهو توقيت مبكر جدا، ومع ذلك اصطف عشرات الطلبة والعمال على كراسي، أعدتها سلفا آلاف المقاهي والكافيهات المصرية، المشتركة في خدمة البث الخاص لبطولة العالم للأندية في اليابان في الطرقات وعلى الأرصفة، فيما وقف مئات آخرون يتابعون تفاصيل مباريات فريق "الأهلي" الذي فاز بالمركز الثالث في مونديال العالم للأندية.
وتسبب فارق التوقيت في اليابان - بفارق سبع ساعات سابقة عن مصر – في إقامة مباريات الفريق المصري مبكرا، في فترات الدراسة والعمل ما دفع الكثيرين للغياب عن العمل أو التزويغ من المدارس (طلابا ومدرسين) وكذلك العمل، وتوقف بعض الأشغال الهامة مثل المضاربة في البورصة، التي توقفت تماما خلال المباريات، كما تسبب تشفير المباراة لصالح شبكة قنوات تلفزيون العرب، وإعادتها مسجلة بعد منتصف الليل في التلفزيون المصري، في سهر غالبية المصريين لساعات متأخرة من الليل.
هذه المظاهرة الكروية لم تعطل فقط المدارس والمصانع وحتى البورصة المصرية، بعدما توقف العمل في الأسهم، وهرب الطلاب والأساتذة والموظفين من أعمالهم للحاق بمقعد على المقهى لمتابعة فريق الكرة، ولكنها كشفت – كما يقول خبراء اجتماعيون - عن سعي المصريين للبحث عن أية فرحة أو سعادة يتغلبون بها على حالة الاكتئاب التي استشرت نتيجة تفاقم أزمات البطالة والعنوسة بين الشباب، وارتفاع الأسعار بصورة تضخمية كبيرة بلغت 30% وطال حتى أسعار الخضر وسلع الفقراء.
ويقدر الدكتور أحمد عكاشة رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي عدد المصابين بالأمراض الاكتئابية في العالم بـ 300 مليون مكتئب، منهم 2 مليون في مصر في حدود 1%، فيما تشير إحصاءات رسمية، إلى أن نسبة البطالة في مصر تصل لحوالي 9.9% من أصل اليد العاملة الفعلية، وأن عدد العاطلين يقترب من مليوني شخص، بيد أن جهات اقتصادية أخرى تقدر عدد العاطلين بما يتراوح بين 4.5 – 6 ملايين عاطل.
ويرى محللون اجتماعيون أن هذه البطولات الكروية، تخفف كثيرا من أزمات الحكومات المختلفة، وترفع عن كاهلها - لأسابيع أو أشهر - عبء مواجهة هجوم البرلمانيين والصحفيين على أداء الحكومة والمشكلات المثارة، كما أنها بالمقابل - خاصة البطولات السعيدة التي تشهد انتصارات - تشكل مناسبات سعيدة للأسر المصرية تنسيها همومها لفترة من الوقت. التوظيف السياسي للكرة وفيما يقول الخبراء أن بحث المصريين عن أي نوع من السعادة أو الشعور بالانتصار، ولو في مباريات كرة القدم - بعدما فاز الأهلي المصري بالمركز الثالث على أندية العالم – هو أحد المظاهر الإيجابية التي تنعكس على المزاج العام، وتخفف من أعباء الحياة القاسية، وتوفر قدرا من التنفيس عن المشكلات، يلحظ مراقبون نوعا من التوظيف السياسي الحكومي لهذه المباريات.
فقد حظيت مباريات الفريق المصري – ومن قبل بطولة أفريقيا لكرة القدم التي فازت بها مصر والتي جرت بالقاهرة مطلع 2006 – بحشد حكومي كبير وزخم إعلامي، وصل إلى حد حضور الرئيس المصري حسني مبارك بعض المباريات، واستقبال الفريق في القصر الرئاسي، كما يحرص غالبية السياسيين على حضور المباريات الهامة لإثبات حضورهم وربط الانتصارات بهم.

وهو نفس ما يجري الإعداد له مع فريق النادي الأهلي، حيث تم استقبال بعثة فريق النادي الأهلي صاحب الإنجاز الكبير في بطولة كأس العالم للأندية على المستوي الشعبي بصورة أسطورية من مطار القاهرة من خلال أتوبيس مكشوف أعدته إدارة النادي لهذه المناسبة، واستقبله مسؤولون ووزراء، ويتوقع أن يلتقي الرئيس مبارك الفريق لتهنئته.
وبطولة العالم للأندية هي بطولة تقام كل سنتين، وتجمع أفضل أندية العالم الفائزة في مسابقات إقليمية ومحلية في بطولة واحدة، ويشارك فيها غالبا فريقان عربيان من آسيا وأفريقيا، وكان فريق النادي الأهلي المصري هو الفريق الأفريقي المشارك هذا العام وحقق نتائج جيدة للغاية، واعتبر نقاد رياضيون أن هزيمته أمام بطل العالم (فريق إنترناشيونال البرازيلي) 2/1 انتصارا بعدما لعب مباراة جيدة وكاد أن يفوز فيها. "الكرة" مؤشر الشعبية الحقيقي ويقول خبراء سياسيون إن مؤشر الشعبية الحقيقي في مصر - شأن غالبية دول العالم الثالث - غالبا ما يكون هو الانتماء لفرق كرة القدم أو تشجيع الفنانين، ولهذا تعتبر فرق كرة القدم - خصوصا ناديا الأهلي والزمالك - هما حزبا الأغلبية الحقيقية في مصر، وليس أحزاب الحكومة أو المعارضة التي لا يسمع عنها أحد، ونادرا ما يعرف رجل الشارع العادي أسماءها، وأصبحت هذه المقولة تتردد كلما خاض قطبا الكرة بطولات تخلو معها شوارع مصر من المارة.
كما تتردد هذه المقولة أثناء الانتخابات المصرية التي يستعين فيها الكثير من النواب بلاعبي كرة القدم، للمرور معهم على دوائرهم الانتخابية أملا في الفوز بالانتخابات.
وغالبا ما يواكب مثل هذه المباريات الهامة اتخاذ الصحف لها كمادة للحديث عن القوى الشعبية الحقيقية في مصر، حتى أن صحيفة "أخبار اليوم" اقترحت في وقت سابق أن يشكل ناديا الزمالك والأهلي حزبين سياسيين في مصر، باعتبار أنهما حزبا الأغلبية الحقيقية، ودعا رئيس تحرير الصحيفة السابق "إبراهيم سعده" غالبية وزراء مصر ورئيس البرلمان، لتحديد هويتهم الكروية مع أي من الناديين، حتى يعرف الجمهور كم من السنين سيتولى كل منهم منصبه بالنظر إلى عدد المباريات بين الأهلي والزمالك والنتائج المتوقعة. (قدس برس)