كرة القدم تتزحزح عن عرش قلوب المصريين

'اهتمامات الشباب تغيرت'

القاهرة - ظل الخواجة، كبير مشجعي منتخب مصر لكرة القدم، رمزا للم شمل المصريين خلف منتخبهم باختلاف انتمائهم الكروي لكنه اليوم يقول ان "الكرة لم تعد تهمم او تجمعهم"، مشيرا لطغيان السياسة ومآسيها حاليا على مناخ الرياضة في مصر.

وتلتقي مصر الثلاثاء مع منتخب غينيا في الجولة السادسة والاخيرة للمرحلة الاولى في تصفيات كاس العالم التي اصبحت مصر على بعد مباراتين فاصلتين من بلوغ نهائياته، كما تأهل منتخب مصر لكرة السلة لنهائيات كأس العالم القادمة لاول مرة في 20 عاما، لكن المصريون المشغولون بصراع النظام الجديد مع جماعة الاخوان المسلمين لا يبدون اهتماما بالامر بتاتا.

ولسنين، ظل منتخب مصر للكرة رمزا للم شمل المصريين المنقسمين فقط انذاك كرويا بين تشجيع ناديي الاهلي والزمالك، لكن المنتخب الان اصبح مطالبا بلم شمل مصريين منقسمين سياسيا وفكريا وبينهم بحور من الدم والثأر وسط استقطاب سياسي حاد، وهو ما يبدو مستحيلا.

ولم تتأهل مصر لكأس العالم منذ العام 1990. كما لم تشارك في اخر نسختين من كأس الامم الافريقية التي فازت بها سبع مرات (رقم قياسي).

ويقول الخواجة، كبير مشجعي الزمالك الذي كان يذوب في رداء مصر حين تلعب، ان "تجميع المصريين خلف المنتخب الان اصبح امر مستحيلا"، متابعا بأسى بالغ "الرياضة مبقتش حلوة والناس مهتمة بالسياسة".

وبعد 32 شهرا من الثورة، تزحزحت كرة القدم من عرش قلوب المصريين لتصبح شيئا مهملا على هامش الاشتباكات والدم والنار.

وفي مدن القناة، استخدم الاف المصريين الكرة كاداة تحدي للرئيس السابق مرسي في شباط/فبراير حيث نظمت دورات كرة في الشارع لكسر حظر تجول فرضه مرسي.

ومنذ ذلك الحين، لا يلعب الدوري المصري بانتظام كما الغي اخر دوريين للكرة، وتلعب معظم مباريات الكرة الدولية والافريقية في مصر خلف ابواب مغلقة في اجواء صامتة زادت من عزوف المصريين عنها.

وخلال السنوات الاخيرة لحكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك حقق منتخب مصر لكرة القدم بطولة افريقيا ثلاث مرات متتالية مفجرا فرحة وسعادة غير مسبوقة في الشوارع، لكن الشوارع ذاتها اصبحت ساحة للعنف وسفك الدماء لا للاحتفال.

وشق منتخب مصر الذي يدربه الاميركي بوب برادلي طريقه للمرحلة الحاسمة في التصفيات بهدوء ودون صخب باستثناء الجدل الذي يدور حول اماكن اقامة مبارياته. وتلعب مصر ضد غينيا في مدينة الجونة (470 كيلومتر) بعيدا عن العاصمة القاهرة ودون جماهير لاعتبارات امنية.

وتتصدر اخبار السياسة والاخبار برامج التليفزيون كما تقلصت الصفحات المخصصة للرياضة في الصحف المصرية بشكل بارز.

ويقول زكي عبد الفتاح مساعد برادلي "الظروف السياسية تفرض نفسها علينا. لا نلقى الاهتمام الجماهيري الكافي"، لكنه تابع بحماس "انا متأكد ان الوصول لكأس العالم سيمثل لحظة سعادة تجمع المصريين مجددا. ابذل قصاري جهدي لذلك".

وفي قهوة مكتظة بالشباب تذيع برنامجا حواريا اخباريا يقول القهوجي عم نعيم "اهتمامات الشباب تغيرت. الان ندير برامج السياسة. قبل ذلك الكرة لم تكن تتوقف في هذا التليفزيون".

ويقول المحامي محمد العربي "مسألة صعود مصر لكأس العالم لم تعد امرا يهمني. الكرة لم تعد تسعد".

ويقول المسوق عمرو لطفي "الاهتمامات تغيرت. كيف يمكن ان اهتم بالكرة وهناك اصدقاء لي يقتلون في الشارع".

وشكلت حادثة ستاد بورسعيد في شباط/فبراير 2012، التي قتل فيها 72 من مشجعي الاهلي، منعطفا خطيرا في علاقة الكرة بالسياسة في مصر مشكلة حاجز نفسي لملايين المصريين عن ملاعب الكرة التي خصبتها الدماء ببورسعيد.

وتقول منه علاء المتيمة بالكرة "بعد المذبحة كرهت الكرة. كنت ارى في كل مباراة مشهد مجزرة بورسعيد".

ودفعت لحظات القتل المجنونة للمشجعين صغار السن الاف من زملائهم من روابط الالتراس للاحتجاج في الشارع وتبني موقف سياسي ضد المجلس العسكري الحاكم انذاك.

ويقول احد قيادات التراس الاهلي الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته "لم اكترث في احد الايام للسياسة بتاتا، فنحب نحب كرة القدم فقط"، وتابع "ظروف قتل زملائنا هي التي دفعتنا للشارع. لم يكن امامنا غير ذلك".

ويقول القيادي هذا "احد لا يهتم بالكرة الان غيرنا".

وطالما كانت فرحة انتصارات الكرة تنسي المصريين هموم السياسة واوضاعهم الاقتصادية المتردية، لكن الان السياسة هي التي تصدر ازماتها وجدلها للكرة ونجومها.

وقبل اسبوعين، تزحزحت الارض تحت شعبية لاعب الكرة الموهوب محمد ابو تريكة بعدما انتقد في همهمة دور الجيش المصري الذي يحظى بتاييد واسع الان بين جموع المصريين.

وواجه ابو تريكة الذي ظل لسنين متوجا في قلوب المصريين وصانع للسعادة كما يحلو للجميع تلقيبه حملة اعلامية شرسة بسبب انحيازه للاسلاميين في مصر.

ويقول احد المقربين لابوتريكة "ابو تريكة قلق من تأثير ارائه السياسية على تقدير المصريين له. لكنه يدرك ان قيادته للمنتخب لكاس العالم ستعيد السعادة والفرحة للمصريين".

المثير ان السؤال عن تطورات الكرة في الشارع في مصر يقابل باستهجان الان.

ومنذ حزيران/يونيو الفائت، قتل اكثر من 1500 شخصا عبر البلاد في احداث العنف.

وقبل سنوات ثلاث توحد المصريين كرويا وسياسيا خلف منتخب مصر الذي خسر ترشحه لكاس العالم امام منافسه الجزائر.