كذبة التعايش مع جماعات الاسلام السياسي

هل كان الشيوعيون العراقيون قد أوهموا أنفسهم في إمكانية أن يكون مرضيا عنهم إن هم تواطئوا بالصمت أو بالأفعال مع الاحزاب والجماعات الدينية التي تصدرت المشهد السياسي في عراق ما بعد الاحتلال الاميركي عام 2003؟

كان هناك نوع من النفاق السياسي في سلوكهم تمت تغطيته بشعارات بائسة تدعو الى التهدئة من أجل الوصول إلى هدف المشاركة في العملية السياسية ومن ثم تفويت الفرصة على الاسلاميين للإنفراد بالسلطة. لذلك لجأ الشيوعيون إلى خيار اعتبروه عمليا، حين سعوا الى نيل اعتراف الاسلاميين بهم من خلال ما اسموه بانتهاز الفرصة.

لم يرد في خاطرهم أن الطرف الآخر الذي اعتبروه ساذجا وغير ملم بدهاء السياسة كان أكثر انتهازية منهم، من جهة سعيه إلى السلطة المطلقة.

فعلى سبيل المثال وفي سياق هذا الاسلوب الانتهازي المفضوح كان الحزب الشيوعي العراقي حريصا على المشاركة في مواكب العزاء الحسيني التي تقام في العشر الاوائل من شهر محرم كل سنة. وهو ما جعله موضعا للتندر والسخرية من قبل الاسلاميين أنفسهم.

كما هو متوقع انتهت مغامرة الشيوعيين بالفشل، وهو فشل واجهته كل الجماعات السياسية التي غامرت بمستقبلها السياسي حين أرتضت لنفسها أن تنجر وراء كذبة التعايش مع قوى وجماعات الاسلام السياسي.

وهو الدرس الذي تعلمته جيدا القوى السياسية المصرية حين نأت بنفسها عن حكم جماعة الأخوان وتركوها تستعرض مآثرها في محاولة تدمير النسيج الاجتماعي المصري علنا من غير أن يوفروا لها غطاء وطنيا.

كان ذلك الموقف حكيما وهو الذي أدى إلى التسريع في نهاية الحقبة المظلمة التي قدر لمصر أن تمر بها في ظل حكم الاخوان. وهي حقبة كانت بمثابة استحقاق تاريخي، لم يكن تأجيله أو الافلات منه ممكنا.

لقد منح الشعب المصري جماعة الاخوان فرصتها التاريخية في الحكم من غير أن تكون تلك المنحة سببا في وقوع القوى السياسية المتنورة في سوء فهم يضعها في موقع المتآمر على حقيقة ما كان الشعب المصري يتطلع إليه من خلال التغيير.

كانت القوى السياسية المصرية صادقة مع نفسها ومع جماهيرها حين امتنعت عن دعم حكم الاخوان، وهي تعرف أن ذلك الحكم لن يقود إلا إلى الاستبداد.

وإذا ما كان شيوعيو العراق قد أذلوا جماهيرهم حين ارتضوا بالتواطؤ مع جماعات الاسلام السياسي فإن قيادتهم كشفت من خلال سلوكها الانتهازي عن نهج نفعي لم يصل إلى نتائجه المرجوة.

لقد قدم سكرتير الحزب الشيوعي العراقي نفسه باعتباره شيعيا، فماذا كانت النتيجة؟ لم تنطل الكذبة على أتباع الأحزاب الشيعية فمحوا اسمه من قوائمهم الانتخابية.

لقد استبق الشيوعيون كذبة شيعيتهم الملفقة بكذبة التعايش مع جماعات الاسلام الاسلامي وهي الكذبة التي أشاعوها بين أنصارهم وأتضح أن لا مجال لها على أرض الواقع. ذلك لأن حملة راية الاسلام السياسي، متشددين كانوا أم معتدلين لا يروق لهم أن يشاركهم أحد في حكم المجتمع.

من وجهة نظرهم فإن خبرتهم في الشؤون الدينية تسمح لهم في أن يكونوا ممثلي الله على الأرض، وهو ما يعني انتفاء الحاجة إلى أي فكر يناقض فكرهم أو يقف إلى جواره. فالحكم لله وهم وحدهم المؤهلون لتصريف تلك الجملة الغامضة أرضيا.

وكما أرى فإن التزام فكرة التعايش مع جماعات الإسلام السياسي هو نوع من الخيانة. فيها من الابتذال والخسة والنذالة وغياب الوازع الأخلاقي الشيء الكثير.

كان أبو بكر البغدادي واضحا في تحديد هدفه: دولة الخلافة الإسلامية.

ألا يمكن أن يكون ظهور البغدادي الذي لم يكن محسوبا فضيحة للقوى السياسية التي راهنت على أن يقع التغيير على ايدي قوى وجماعات الإسلام السياسي؟