كتاب ومثقفون مصريون: جماعات الإسلام السياسي تسعى لهدم أوتاد الدولة (2-2)

القاهرة ـ من محمد الحمامصي
فضيحة مدوية

اكتسبت تيارات وأحزاب وجماعات الإسلام السياسي عقب فوز د. محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين برئاسة مصر، قوة أو كما يقول المصريون البسطاء "نفشت ريشها"، وظن المنتمون إليها أنهم علوا في الأرض وحق لهم امتلاكها وإرضاخ أهلها، ومن يقرأ تصريحاتهم وتعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك وتويتر أو للصحف وعلى الفضائيات يصاب بالفزع كونها تصريحات أقرب ما تكون إلى الجرائم التي تعتدي على الحريات العامة والشخصية وتشوه رموز ونخب ثقافية وفكرية وسياسية ودينية كجمال الغيطاني ومحمد البرادعي وحمدين صباحي والشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر. الأمر الذي دفع للسؤال عن المستقبل القريب على الأقل ماذا سيكون وجهه في ظل هذا التنامي للإسلام السياسي الذي يسعى سعيا حثيثا للسيطرة على مقدرات الأمور في مصر بادئا بالسيطرة على الإعلام ووسائله الحكومية والخاصة ليتمكن من ترسيخ أفكاره ورؤاه والقبض على العقل والوجدان المصريين.

تقود هذه الجماعات حملات ممنهجة ضد الإعلام المصري مطالبة بتطهيره وإعادة صياغته، وهي حملات حق يراد بها باطل، حيث يتم السعي من خلالها للسيطرة على الإعلام وتدجينه ليكون أداة طيعة لتوجهات الدولة الدينية وإعلان الخلافة.

لقد شهدت القاهرة على مدار الأسابيع الماضية لافتات تحمل الإعلان عن مؤتمر الخلافة لحزب التحرير المصري الذي ينتمي توجهه إلى الجهاد الإسلامي، هذا المؤتمر كان من المفترض عقده في نقابة الصحفيين المصريين، ولولا تنبه بعض الصحفيين للأمر وتنظيمهم حملة ضده على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، كان سيتم ليشكل فضيحة مدوية لنقابة الصحفيين المصريين.

مشهدان متشابهان

"ميدل إيست أونلاين" واصلت طرح تساؤلاتها حول الأوضاع الحالية في مصر فيما يخص الحريات العامة والخاصة وحرية الإبداع والتعبير والفن وما يمكن أن يحمله المستقبل وطبيعته، في محاولة لتمس ردود فعل الكتاب والمثقفين.

• فترة الاغتيالات

بداية أكد الشاعر والروائي حمدي عابدين أن ما يجري الآن في مصر من صراع بين القوى المدنية وكراسي السلطة التي احتلها الإسلاميون يشبه تماما ما كان يحدث في فترة الثمانينيات في مصر والذي أدخلها في سلسلة من العنف والعنف المضاد، وكان من بين تجلياته مقتل السادات والمحجوب، فضلا عن استشهاد د. فرج فوده، ومحاولة الاغتيال الفاشلة لأديب نوبل نجيب محفوظ، وسلوكيات جماعات الإسلام السياسي خلالها هو نفسه ما يحدث حاليا، حتى في ظل المراجعات التي تمت، وإدعاء قادة الجماعات خلال فترة التسعينيات تخليهم عن تكفير المجتمع والقوة للقوة في سبيل تغييره.

وقال "المشهدان متشابهان في كثير من العناصر والتفاصيل، ذلك لأن المنبع الفكري الذي يأخذان منه واحد، وبالتالي لا بد أن يقودا إلى تقييد الحريات جميعها، انظر لما أثبته مؤسس الإخوان في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان (إسلام الإخوان المسلمين): {إن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف}. فهل يمكن لأحد أن يطالب مثلا بفن، ويدعي أمام الإخوان مثلا أن الفن غذاء للروح، أو أنه مرآة للمجتمع يمكن من خلالها قراءة ما يدور والتفاعل معه سلبا وإيجابا، ولأن الجماعات السياسية التي نشأت بعد ذلك خلال فترة تحالف السادات مع الإخوان خرجت من رحم الإخوان وأقبيتهم الفكرية، فلا يمكن أن نرى قضية الحريات بمنأى عما مارسوه خلال فترات تواجدهم في مجلس الشعب أيام نظام المخلوع، من سعي لتقييد حرية التعبير والإبداع، هل يمكن أن نرى وكلاء القضايا التي مرت ضد المبدعين والأعمال الفنية بعيدا عنهم، وعن مباركاتهم، وربما إرشاداتهم؟ لا أظن أن هذا غير بعيد عن أياديهم الخفية التي كانت تسعى تارة في العلن، وأخرى في الخفاء للتشويش على المبدعين ومحاولات تخويفهم، هل ننسى ما قام به شيوخهم الذين ينهلون من المنابع نفسها من دعاوى تكفير أصابت د. فرج فوده، ونجيب محفوظ وغيرهما، وأدت لما أدت إليه. الآن المشهد متشابه تماما، لكن من موقع السلطة التي لو صارت مطلقة، وتخلى المصريون عن مقاومتهم لخرافاتها، صار الأمر أخطر، هل يمكن أن ننسى ما قاله بعضهم وأنا لا أريد أن أذكر أسماءهم ولا أن أتذكر وجوههم التي تشبه إلى حد كبير بعبوسها ما يمكن أن يجري على المشهد والحياة والمجتمع المصري من بؤس وعبوس، ضد إبداع محفوظ، وآخر ضد الأفلام التي خرجت عن رواياته".

وأكد عابدين أن هؤلاء الناس يرون أن الإبداع نوع من الزوائد التي لا حاجة لها في دولتهم، ويتساءل: "هل بينهم مبدع واحد، موسيقي أو شاعر؟ هل تعلم أنهم يعتبرون الكتابة القصصية نوعا من الكذب، ومن هنا يرونها حراما؟ هكذا قال لي أحدهم، من هنا لا يمكن أن أتخيل أن هؤلاء الناس قادرون سوى علي محاربة الإبداع والحريات جميعها، نتيجة قصورهم في فهم عبقرية وعظمة الإسلام، ودفاعه عن الحريات جميعها بما فيها الحريات الدينية. المنابع الصلبة التي ينهل منها هؤلاء التابعون لما يسمي جماعات الإسلام السياسي على اختلاف أطيافهم تجعلهم يرون المصريين في حاجة إلى تأهيل لأنهم ناقصو أهليه دينية, هل يمكن أن نفصل الحديث عن فتح مصر، وما وجه للمصريين من إهانات علي لسان بعضهم عن نظرة علوية يرتكبها سياسيوهم ضد الشعب المصري".

ولفت عابدين أن الأوضاع الآن خطيرة هنا "الأمر يتطور من اعتداء على حرية الإبداع والتفكير والعقيدة، ليعود مرة أخرى إلى استخدام القوة التي قد تفضي إلى القتل مثلما حدث في كارثة السويس، وهي بالتأكيد لا يمكن فصلها أو لا يمكن أن نقرأها بعيدا عن مشهد السبعينيات والثمانينيات حين كان أعضاء الجماعات الإسلامية يراقبون الشوارع ويعتدون على المارة في الشوارع، رأيت هذا في أسيوط علي يد شيوخ لديهم أحزاب الآن، قتلوا واعتدوا وكفروا ومارسوا كل شيء باسم الدين، ثم عادوا ليؤسسوا أحزابا باعتبارهم شعار المرحلة، وأقصر الطرق للقتل والاعتداء والتكفير، ولما لا وقد قاربوا على السلطة على مرمى النظر، لا ينقص المشهد تفاصيل أخرى، لديهم منابرهم الإعلامية وسوف تكون لديهم عما قليل منابر الدولة، صحفها وفضائياتها، وهناك من ينتظر لتنفيذ المهمة على طريق تهميش العقل المصري وتجهيله سواء كان متحولا أو على طريق الجماعات وأفكارها.

مصر ستلتحي
لكن في الحقيقة أنا أري أن المصريين وهذا ما تجهله جماعات الإسلام السياسي، لن يقبلوا بقيود على حرياتهم، كما لن يقبل مبدعوهم ذلك، المشهد الأكثر سخونة من ذلك وسوف يكون عصيبا بين الجمود والقصور والفهم المحدود للإسلام ومن يمثلونه، وبين من ينظرون بوعي ولديهم القدرة على التطلع لقيمه العليا. هنا سوف نشهد حربا أخري، تشبه تماما ما سوف يحدث من المجتمع الطامح للمدنية والديمقراطية والحرية. لا يجب أن أنسي أن أقول أن لا فرق في هذا بين ممثلي الإخوان وممثلي غيرهم من الجماعات السلفية الأخرى، سوف يقفون صفا واحد في محاربة الحريات وتقييدها, المهم هنا في الأمر أن يعي هؤلاء أنهم يشوهون الدين وسماحته، وأنهم يضربونه في مقتل.

• مأزق تاريخي مظلم

وقال الكاتب والناقد محمد الدسوقي "قريبا ستتغير مصر - مصر ستلتحي في مناهجها التعليمية وفي سياحتها وفي حكومتها وربما في الشرطة والجيش وفي صحافتها وإعلامها - وأقصد بالطبع باللحية هنا الفكرة والتركيبة التي ستسم الشعب المصري - وقريبا سيكون هناك – صراع - اجتماعي وطائفي ما يؤدي إلى خلل في العقلية المصرية، وربما يتحول الأمر إلى صراع أيدلوجيات - وبرأيي أن الأخوان سيكونون هذا العام - تمام - سيأخذون هذا الشعب علي الطبطاب دون خلق مشاكل كبيرة حتى يتعرفوا على كل شيء في الجيش والشرطة والقضاء ومناهج التعليم و.. و.. و... ثم بعد ذلك عيون مصر لن ترى النور - قد يظنني البعض متشائما، ولكن هذه هي طبيعة الظروف والواقع - انظر إلى مشهد دخول المشير إلى قاعة جامعة القاهرة والإخوان يقولون يسقط حكم العسكر - ولا يصمتون إلا بعد أن يسكتهم المرشد البديع - أقول هذا وأعرف أن الفئات المثقفة لن يكون لها دور ولا كلمة ولن نسمع سوى ضجيجهم - لأنهم ببساطة هم من أوصلونا إلى هذا المأزق التاريخي المظلم وربما لا تطلع له شمس في زماننا الحالي.

• دورهم تربية الشعب

الثقافة والفن والإبداع في خطر حقيقي

وتساءل الشاعر مأمون الحجاجي هل د. محمد مرسي يشغل حقا منصب رئيس مصر؟ وقال: "ربما ظنت بعض الطوائف أن هذا الوصول للمنصب حجة لها بأن تمارس سطوتها على الشارع المصري مرورا بفرض وصايتها على المصريين وتأديبهم وتهذيبهم وإصلاحهم من باب مقولة إن السجن تأديب وتهذيب وإصلاح، يتصرف الأخوان والسلفيون وغيرهم من أطياف الإسلام السياسي أن دورهم في تربية هذا الشعب، ونسي الغالبية منهم أن وصول مرسي لسدة الحكم لم يكن في العموم من أجل ما يتمتع به الرجل من صفات وما يتحلى به من مواهب، ولكن لمعارضة البديل الآخر الذي يمثل النظام القديم، المستقبل يبدو غائما وتطور الأحداث وتصاعدها يصب في كفة التشدد والتعصب والتطرف، وأن الثقافة والفن والإبداع في خطر حقيقي، وبالنظر لما يمارسه التيار الإسلامي الآن يشي بحالة كابوسية، إن لم يتم تدارك الأمر لأن من غير المعقول أن تكون نتيجة الثورة ومحصلتها هذا البديل الظلامي الذي استهدف ترويع البسطاء وأمنهم وأتمنى من المخلصين والشرفاء أن يلبوا نداء الوطن بقبول خدمة هذا الشعب وأن تكون مصر أهم من ذواتهم وأعنى د. محمد البرادعي وحازم الببلاوي، مصر في خطر حقيقي لا تتركوها.

• سلطة السمع والطاعة

ورسم الكاتب ورسام الكاريكاتير أحمد عبدالنعيم صورة لتيارات الإسلام السياسي مشيرا إلى أنها تعاملت مع المشهد العام على الساحة المصرية لفترة طويلة تحت الظل تارة، وعقد صفقات تارة أخرى سواء مع أحزاب سياسية أو أجهزة الدولة. موضحا أنه بعد ثورة يناير وطوال 18 يوما عمر الميدان تفرقت القوى الثورية من اتجاهات الميدان الثمانية وشكلت تيارات وائتلافات سعى البعض إلى إحداث تغيرات في المشهد السياسي وراحت القوى الثورية في اتجاهات مختلفة تجاهد بمفردها وأخذت بعض الائتلافات تشوه بعضها البعض، وبقي تيار الإسلام السياسي القادر على توحيد صفوفه لأنه يخضع إلى سلطة السمع والطاعة لفرد قادر على توجيه المجموع.

عقد صفقات
وأضاف "المتابع لكل الثورات في العالم يدرك أن القوى المنظمة فقط هي التي استطاعت أن توجه بوصلة الثورة في الاتجاه الذي تريده، وذلك ما حدث مع تيار الإسلام السياسي في مصر، بينما اتجهت النخب إلى التنظير والبعد عن الواقع فأصبح البعض منهم نجوم فضائيات دون أرضية على الواقع، وتاه الشباب الحقيقي المفجر لشعلة الثورة، ومن الطبيعي أن تيار الإسلام السياسي يأتي بأيديولوجيته الخاصة التي يسعى إلى فرضها على الشارع والتي بدأت بمحاولة هيكلة الشرطة وأسلمه الصحافة .. وقريبا يزحف على الحريات فيما يتعلق بالملبس والحرية الشخصية وكلها أمور بدأت بوضوح وعلى فترات سواء في بعض الحوادث التي ربما تكون جس نبض للمجتمع، ولكنى أعتقد أن المجتمع المصري قادر على الوقوف وبقوه في هذه الأمور، وقد يأخذ الكثير من الوقت ولكن الشخصية المصرية كما وصفها جمال حمدان تشبه المعدة الكبيرة القادرة على هضم كل الثقافات دون تغير في هويتها، وعلى عقلاء المجتمع سرعة تنظيم أنفسهم وأن ينظر النخب إلى الواقع على الأرض بعيدا عن المراكز الإستراتيجية والتنظير بعيدا عن أرضية رجل الشارع".

• البدائل المفقودة

وقال الكاتب والصحفي سيد محمود إن اللحظة العامة في مصر الآن تتسم بغموض يرافق في العادة لحظات التحول التاريخي المصاحب لحدث كبير مثل الثورة التي تغير في علاقات القوى السياسية والاجتماعية، وبالتالي في المجال العام ومن الطبيعي والحال هكذا أن تسعى القوى الجديدة وهي قوى الإسلام السياسي إلى استكمال عمليات هيمنتها، فبعد نجاح مرسي في الانتخابات الرئاسية إلى جانب وجود غالبية إسلامية في البرلمان المنحل تسعى جماعة الإخوان إلى السيطرة على مفاصل الدولة الرئيسية ممثلة في الإعلام والمرافق الحيوية داخل وزارات تشكيل الوجدان من تعليم وثقافة وغيرها.

اللحظة العامة تتسم بالغموض

ورأى أن ماضي هذه القوى في التعامل مع قضايا حرية الفكر والتعبير والإبداع اتسم دائما بالانغلاق والجمود الفكري الأمر الذي أضفى على نظام مبارك صفة شبه علمانية، وقدمه للمثقفين والفنانين في صورة الأب الراعي الحامي لهذه الحرية، إذ كان دائما ما يتدخل بأدواته للتحكم في عمليات الاستقطاب الديني العلماني ولا يمكن طرف من تحقيق انتصار على الطرف الآخر، فعندما نراجع معارك شهيرة مثل معركة مصادرة رواية "وليمة لأعشاب البحر" في طبعتها المصرية أو ما عرف بأزمة الروايات الثلاثة نجد أن ثمة تناقض في موقف وزارة الثقافة، ففي المعركة الأولى ناصرت حرية التعبير، وفي الثانية انتصرت لصورة الدولة الراعية الحامية لتقاليد المجتمع، وقدمت تنازلات محسوبة لقوى الإسلام السياسي التي تعتقد أنها مهيأة الأولى لوراثة أدوات الدولة القديمة في السيطرة والتلاعب بالعقول، ولكن في مقابل هذه الصورة ثمة علامات تؤكد أن هناك أفقا للمقاومة، فحتى الآن لا تزال الوجوه المسيطرة على وسائل إنتاج الأفكار تنتمي إلى حقبة العلمانية المفترضة، ومن ثم لديها أيضا إرث من العداء الفكري لجماعات الإسلام السياسي إلى جانب مصلحة مادية مباشرة ستدفعها لحماية مكاسبها في سوق إنتاج الأفكار.

وأكد سيد محمود أن جماعات الإسلام السياسي لا تملك البديل الكفء الذي يمكنها من الإطاحة بهذه الوجوه واستبدالها في مؤسسات الإعلام مثلا، فلا نكاد نعرف من بينهم أسماء تتسم بالمهنية وتستطيع إقناع الجمهور بخطابها الفكري، وفي الفن يبدو الأمر كذلك، فصناعة الدراما التلفزيونية والسينما تمثل مصدرا من مصادر الدخل وأحد أدوات القوة الناعمة التي يمتلكها النظام المصري (وهذا النظام لا يمكن تغييره بسهولة في ظل استمرار حضور المجلس العسكري في المجال العام كمسيطر وضامن لصور الدولة القديمة وحارس لها)، ولا ننسى أيضا أن كل الصياغات الفكرية المقدمة من قوى الإسلام السياسي صيغت من موقع المعارضة، ومن ثم لن تصمد طويلا عند اختبارها في موقع السلطة بدليل المظهر البائس فكريا وسياسيا الذي ظهر عليه ممثلو هذه القوى في البرلمان المنتخب الذي تم حله بعد اقل من 4 شهور على بدء أعماله، ومن دون أن يجد سندا في الشارع العادي الذي أظهر نفورا واضحا من ممثلي هذه القوى بصورة يسهل التدليل عليها، فالمواطن المصري بحكم طبيعته التاريخية لا يقبل هذا النمط من التدين الحاد، ومن ثم فسوف ينتفض لحماية إرثه الفكري والثقافي والفني، ولن يقبل بأي صورة من صور الوصاية، فمواطن اللحظة الثورية لا يزال موجودا ولا يمكن أن يتقبل بسهولة صور السيطرة والتضييق، لاسيما وأن سيجد خطابا إعلاميا يعمل على كشف هذه المحاولات سواء كان مدعوما من مثقفين وفنانين ونخب فكرية وسياسية أو تم بثه عبر المؤسسة العسكرية التي بإمكانها التدخل حتى لو استلزم الأمر ترتيب انقلاب عسكري توافقي.

• سوداوية المشهد

ورأى الكاتب والمترجم حسن حجازي أن الحريات العامة يبدو أنها ستكون مكبلة بضوابط صارمة طالما تهدد وتبتعد عن توجهات معينة أشبه ما كان يُدار ويُحاك بعد تولي عبدالناصر مقاليد الحكم في مصر، فمن يدور في فلك الثورة، ثورة يوليو بالطبع، فأهلا به، أما دون ذلك فمصيره ـ يعلم الله ما كان مصيره ـ نخشى أن تكون ردة على الحريات العامة والخاصة في مصر.. لكن لا نتعجل الأمور، فعلى الرغم من سوادوية المشهد وإرهاصاته الممثلة في محاولة مجلس الشورى، ومحاولة الهيمنة والسيطرة على الصحافة في تعيين رؤساء تحرير الصحف القومية بدافع الانتخابات المحسومة سلفاً ـ طبعا هنا لا أقصد للتيار السلفي! ـ لصندوق الانتخابات الذي سيفضي نحو جهة بعينها نعلمها جميعاً أسوة بمعظم النقابات العاملة في مصر كالتعليم والمهندسين والأطباء!".

وقال حجازي: "بعد تقديم الفنان عادل إمام للمحاكمة بتهمة ازدراء الأديان، التي ليست موجهة لشخص عادل إمام وإنما لكل من هو صاحب فكر ورؤية، وبعد ظهور بعض التيارات المناهضة والمقاومة لأسلمة وأخونة مصر، أعتقد أن الصورة ضبابية وغير واضحة، وبحق لا تدعو للتفاؤل، والمستقبل ربما يؤدي لعودة تيارات ثقافية جديدة وربما تكون عودة لتيارات التي كانت سائدة في الستينيات في القصة والشعر والمسرح مثل اللجوء للرمز والإيحاء وعودة لأدب العبث واللامعقول، وربما بزوغ نجم أدباء جدد ومدارس أدبية جديدة على شاكلة أدب يوسف إدريس ومسرحه وصلاح عبد الصبور ومسرحه، وهذا لا يعني أن الصورة كانت وردية في الثلاثين عاما الماضية، فالمؤسسات الثقافية كانت ولم تزل مملوكة ومرهونة بمجموعة تكاد تكون أفلست أدبيا وإعلامياً ملأت سماء مصر صحافة وإعلاما، حيث بدا فشلها ذريعا في مواكبة طموحات الشعوب وآمالها وآلامها، ففوجئت بثورات الربيع العربي التي لا تكاد تلاحق تبعاتها ومن الغريب أنها تحصد الجوائز العام تلو الآخر! مصر مقبلة على مرحلة خطيرة من تاريخها سواء السياسي أو الأدبي والاجتماعي فلننتظر. فإن غداً لناظرهِ قريب!