كتاب: المرجعية الشيعية والسياسة في العراق (3)

بقلم: د. موسى الحسيني
الامام علي كان على استعداد لوضع يده بيد معاوية للتوجه لمقاومة الروم

من الصعب الحكم بالاصل الشرعي لمسؤولية الفقيه عن الجهاد الدفاعي، إلا ان مراجعة سيرة الائمة من آل البيت، قد تفسر ذلك الاجماع باعطاء الاولوية لمقاومة الاحتلال الاجنبي حتى على مقاومة الحاكم الظالم، أو غير الملتزم بتطبيق الشريعة الاسلامية. فمن الروايات الشائعة عن الامام علي (ع)، ما عبر به أمام جيشه في معركة النهروان، عن استعداده للتغاضي عن انشقاق معاوية، ووضع يده بيد معاوية للتوجه لمقاومة الروم الذي استغلوا انشغال المسلمين في حروبهم الداخلية ليحتلوا قرية في شمال بلاد الشام تابعة ادارياً لسلطة معاوية (وليس لسلطة الامام).
وكان أحد الخيارت التي عرضها الامام الحسين عند محاصرته في كربلاء من قبل جيش عمر بن سعد، هو ان يتركوه، ما داموا مصممين على قتله، ليلحق بجيوش المسلمين للدفاع عن الثغور ليقاتل هناك حتى يُقْتلَ.
تلك كانت جيوش الدولة الاموية، الخاضعة لسلطة يزيد بن معاوية، الذي خرج الحسين (ع) ليقود الثورة عليه.
يقدم الامام الرابع علي زين العابدين بن الامام الحسين (ع)، منهجاً واضحاً للتمييز بين دولة المسلمين وحاكمها الظالم أو الغير ملتزم بالشريعة الاسلامية، من خلال الدعاء المعروف بدعاء الثغور، وهو أحد أدعية الصحيفة السجادية التي يعتز بها الشيعة جميعاً بمختلف توجهاتهم ومدارسهم الفقهية. الغاية من الدعاء هو شد أزر ودعم معنويات الجنود المسلمين المقاتلين دفاعاً عن ثغور المسلمين، مع انهم جنود الدولة الاموية، اي انهم مقاتلي نفس الجيش الذي قتل ابيه وسبعين من اهله وأعوان ابيه، وأسَّرَه وبقية أسرته من النساء والاطفال. ومع ذلك يدعو الامام زين العابدين لهم بالنصر، بمفردات ملهوف يستخدم فيه كل عبارات التمني بالانتصار، وبكل عبارات الكره، وتمني الشر لاعدائهم. اغرب ما في الامر ورغم ان ادعية الامام زين العابدين (ع) شائعة جدا ويروج لها بكل المناسبات، لكن هناك تغييب يبدو مقصود لهذا الدعاء، الذي لا يعرف به الا قلة من الشيعة. (تكرر قناة المنار اللبنانية التابعة لحزب الله يوميا قراءة هذا الدعاء وكانها تريد ان تذكر رجال الدين الشيعة بالامر، وان تقول بشكل غير مباشر ما نقول نحن هنا بوضوح).
التراث الشيعي اذاً وكما يتمثل من خلال سيرة ائمتهم الابرار، الذين وان ابتعدوا عن طلب الحكم والتدخل بالسياسة، حتى في ظل سلطة حاكم جائر، إلا انهم كانوا قد حسموا موقفهم من اية قوى محتلة غازية يمكن ان تتطاول على بلاد المسلمين، ينسون معارضتهم او سلبيتهم تجاه السلطة الحاكمة، ويستنهضوا شيعتهم واصحابهم لمقاومة الغازي. كان موقفهم من الوضوح بحيث لم يستطع جميع فقهاء الشيعة تجاوز الأمر، فأقروا جميعاً وعلى امتداد المسيرة الطويلة لمبدأ الاجتهاد بواجب الجهاد الدفاعي، لا يعفيهم عن هذا الواجب، قرارهم بالولاية العامة أو الخاصة.
ينتمي المرجع الحالي السيد علي السستاني لمدرسة الولاية الخاصة، وهو لم يتخلى عن اداء واجبه الشرعي بالافتاء بالجهاد لمواجهة الغزو الاميركي. فكما عرض تلفزيون بغداد، ولايام قليلة قبل العدوان السيد عدنان البكاء، وهو يقرأ نص الفتوى، التي لم تأخذ صداها المطلوب، لعل سبب ذلك اعتقاد الناس ان تكون الفتوى ملفقة، أو ان السيد كان قد دبجها تحت ضغط السلطة. وفي هذا تجني على السيد، فالشجاعة شرط من الشروط الشرعية للاجتهاد. ولا يمكن ان يتحمل السيد هذه المسؤولية، وهو على ما هو عليه من الورع والتقوى، فيظل صامتاً على هذا التزوير مع ان له كثير من الوكلاء والمكاتب المنتشرة في كافة انحاء العالم، يستطيع من خلالها على الاقل تكذيب خبر الفتوى، والتقية بمثل هذه الامور باطلة، فالغاية الاساس من التقية هي الحفاظ على الذات، والافتاء بالجهاد قد يعرض ارواح الكثير من الناس للموت، يعني ان درء الاذى لا ينسجم مع القول بمبدأ الجهاد.
إلا ان ما يثير الاستغراب، موقف السيد السستاني بعد الحرب، وانتصار قوى الاحتلال، حيث انزوى في منزله بما يشبه حالة مقاطعة توحي عند الاخذ بنظر الاعتبار الفتوى بالاجتهاد، وكأنه موقف احتجاج سلبي ضد الاحتلال، بل وحتى استنكار لموقف اتباعه السلبي من فتواه. يتحول الاستغراب الى حالة من الدهشة وحتى الصدمة عندما كسر السيد صمته وتحرك حركة غير موفقة للاسف، سيكون لها انعكاساتها السلبية على صورة المرجعية عند انصارها، كما في نظر قوى الاحتلال، فبعد صمت دام حوالي ثمانية اشهر بادر السيد للمطالبة بالانتخابات كبديل وطني لاتفاق نقل السلطة بين قوى الاحتلال وصنائعها. إلا انه عاد فألغى او عطل هذا المطلب عندما علقه بشرط ان تكون الامم المتحدة حَكماً، ليقرر ما اذا كان بالامكان اجراء الانتخابات في هذه المرحلة، أو...لا. اي ان السيد قال بالشيء وضده في نفس المطلب. (الفصل كتب قبل احداث النجف الاخيرة).
هذا التناقض في الموقف، المطالبة بالانتخابات، وبما يعطلها بنفس الوقت، ينقض المبادئ الشرعية العامة التي قام عليها مبدأ الاجتهاد بل ويلغي الاسس التي قام عليها الاجتهاد عند الشيعة. فالاجتهاد بأعتبار انه "العمل بالرأي." وهذا يعني انه في الحالات التي لم يتعين فيها التكليف الالهي أو انه متعين ولكنه خاف، يرجع المرء الى العقل والذوق. فما كان اقرب الى الذوق والعقل والحق والعدل واشبه بالتعاليم الاسلامية. يحكم به. هذا يعني ان السيد ينفي مبدأ العمل بالرأي، فهو لايعمل برأيه كمجتهد يمتلك القدرة على استنباط الحكم الشرعي، بل برأي الاخر، وهو ليس مسلما ولا مجتهدا، ويميل لصف العدو، فهو لايصلح ان يكون حتى حَكما عادلا.
عندما يضع الانسان جانباً حقيقة ان الحكم بالجهاد الدفاعي، واضح جداً من خلال مواقف الائمة الابرار من آل البيت، الذين يرتكز المذهب الشيعي على اساس الولاء لهم، والاقرار بأنهم الاكثر ثقة في تفسير الكتاب الحديث فأن الاجتهاد كمبدأ والذي كان السبب في وضع السيستاني فيما هو فيه من مكانه، سيهتز بمثل مواقف السيد هذه. فأما ان تكون مطالبته ناتجة من احساس بموقعه القيادي لطائفة كبيرة من مسلمي العراق، الذين يتعرضون ظلماً لأسوأ انواع الخسف والاستهانة من قبل قوى الاحتلال. والتي تتنافى كلياً مع أبسط مبادئ حقوق الانسان، والقواعد العامة للقوانين التي تحدد سلوك سلطات الاحتلال، ناهيك عن تصادمها مع القيم الاسلامية التي يفترض ان السيد يقف في موقع الحامي المطلوب منه الحفاظ عليها، والدفاع عنها.
المطالبة بالانتخابات، هي مطالبة بحق طبيعي، يفترض ان دوافعه من المطالبة بها ترتكز على اساس الفهم السليم لحق الانسان الطبيعي في ان يتحكم بأقداره ومصيره، بأرادته هو بعيداً عن شكل من اشكال السيطرة او التبعية او الوصاية للاجنبي. ويفترض بزعيم الجماعة، اية جماعة، عندما يطالب ببعض حقوقها يدرك جيداً اكثر من اية هيئة دولية أو انسان أخر، ما هي هذه الحقوق، وكيف يمكن استعادتها أو تحقيقها، دون ان يحتاج لمشورة احد، ولا حتى هيئة الامم المتحدة أو خبرائها. فهو الاخبر بالامر من مراقب خارجي له حساباته الخاصة، التي تاخذ بنظر الاعتبار عدم الاصطدام بارادة القوة العظمى، التي تستضيف الهيئة العامة بكل موظفيها على ارضها، وهذا مصدر اخر للتأثير على موظفيها الاداريين.
ان الزعامة أو القيادة تعني بمفهومها السياسي أو الاجتماعي قدرة الزعيم على فهم مطالب الجماعة، واعتماد السلوك الانسب لتجسيدها، والحرص الشديد على تحقيقها، والمحافظة عليها. اما استعانة الزعيم بطرف خارجي للحكم في امكانية تحقيق ما هو حق طبيعي للجماعة او الشعب، يعني ان الزعيم يتخلى عن أهم ادواره القيادية، مع ان العراق ليس عقيماً الى هذا الحد، وفيه من الخبرات الوطنية ما يغني عن الحاجة لتحكيم السيد انان او ممثليه. وهذا يعني عجز الزعيم على ادراك حقوق الشعب.
بقدر ما يعني استشارة طرف خارجي، هو اقرب بالواقع لموقف الخصم، العجز عن ادراك الحق والحقيقة، فهو ايضاً تصرف لا ينسجم مع مبادئ العقل والذوق والحق والعدل...!؟ ويزعزع مبدأ الاجتهاد من اساسه، لانه يوحي بالعجز على ادراك المشكلة، بما يمنع من اتخاذ الموقف الشرعي المناسب.
ان ثمانية أشهر من الصمت الذي لازمه السيد السستاني كانت كافية لان تكشف للعالم اجمع زيف أدعاءات الادارة الاميركية حول الاسباب التي دفعتها للعدوان والغزو. وظهر بوضوح عدم صدق تخريصات كولن باول امام مجلس الامن عن مخابئ الاسلحة العراقية التي التقطتها الاقمار الصناعية، والمختبرات التي عرض صورها، وما ردده الرئيس الاميركي واعضاء ادارته عن يقينهم الثابت بوجود صناعات متطورة لاسلحة الدمار الشامل في العراق، ودحضه واستخفافه بالتقارير المتواصلة لهيئات التفتيش التي ارسلتها الامم المتحدة، بطلب من امريكا وتحت اشرافها المباشر، والتي تؤكد خلو العراق من هكذا أسلحة. مع ذلك لم تتحرك الامم المتحدة لمنع الحرب او على الاقل استنكارها بل تحولت الى هيئة لشرعنة الحرب، ثم الاحتلال، وكأنها مجرد هيئة دعائية واعلامية تابعة لأحد مكاتب البيت الابيض.
هذا اضافة الى المذكرات العديدة، والاعترافات التي أدلى بها بعض موظفي الادارة الاميركية انفسهم على الاسباب الحقيقة للعدوان، وكيف انه كان عدوان مبيت حتى من قبل احداث 11 ايلول/سبتمبر، بكثير. واعترافات بول اونيل، وزير التجارة الاميركية السابق. أضافة الى ان الاطلاع على الاسباب التي دفعت اميركا لتشكيل قوات التحرك السريع، في اواخر السبعينات من القرن الماضي، ومخطط شارون – اتيان الذي نشر عام 1982، حول رغبة اسرائيل في تقسيم العراق والدول العربية الاخرى الى دويلات صغيرة، ومتنازعة. ثم تصريحات كولن باول عن نيات الادارة الاميركية لاعادة العراق الى مرحلة ما قبل الثورة الصناعية.
أَلم يكفي كل ذلك لأن يدرك السيد، حقيقة كون ما سُميَّ بحرب تحرير العراق ما هي بالحقيقة إلا حرب تحرير اسرائيل من عقدة الخوف من القوة العراقية..!
اذا كان الناس لازالوا مدهوشين بهول صدمة الاحتلال المشوشة والمختلطة بالشعور المفاجئ بالتخلص من حكم طاغية مجرم، مارس كل اشكال القمع والجريمة ضد شعبه، فأن على الفقهاء والخبراء والمثقفين ان يبادروا لكشف الحقيقة لمواطنيهم، وتعريفهم بالاسباب والمعاني الحقيقية للاحتلال. وهذا يشكل جزءا من التكليف الشرعي المناط بهم. د. موسى الحسيني