كتابة منفلتة في 'ساعة اينشتاين الأخيرة'

تونس
متى أُقيم وزن لما تقوله الأغلبية

"ليست لدي وصفة جاهزة للكتابة. كل ما هنالك هو أنّي اكتب نصوصي بحب."، هكذا يقول وليد سليمان، بينما نصوصه القصصية تشي بغير ذلك، أو ربما هي تقدمه صاحب رؤية خاصة ومشروع سرديّ يعتمد نصا محتشدا بالمفارقات والمفاجآت على حد السواء، وهو في تعامله مع النص القصصي إنّما تسيطر عليه غواية الشعر، ويلبسه شيطانه. نقرأ في قصة "كلام مجانين":
"قال:
- المجانين يصدقون المجانين.
قالت:
- إنهم أقلية.
قال:
- ومتى أُقيم وزن لما تقوله الأغلبية.
قالت:
- الديمقراطية تعرف على أنها حكم الأغلبية.
قال:
- هذا إذا لم تتعرض الأغلبية لعملية غسل دماغ من قبل الأقلية.
قالت:
- الكل معرض لغسل الدماغ باستثناء المجانين.
قال:
- هذا لأن دماغ المجنون مغسول أصلا.
قالت:
- أو أنه أملس مثل الصابونة، بحيث لا تلتصق الأفكار به.
قال:
- حتى مؤخرة الإنسان ملساء.
قالت:
- ولهذا، ربما، يجلس عليها الإنسان.
قال:
- الإنسان يجلس على كل شيء.
[هنا علا صوت المذياع فجأة دون سابق إنذار: "رجاءا أيها المستمعون. لقد فر مجنونان خطيران من مصحة الأمراض العقلية. فالرجاء أن يقوم كل من يراهما أو يصله خبر عنهما بالإعلام."] وعندما استمعا إلى ما قاله المذيع انفجرا في ضحك مجنون."
فالكاتب هنا يعتمد آليات الشعر ومفرداته، حتى من خلال التوزيع البصري لنص ليقدم عملا سرديّا، متكامل البناء، محافظا على مقومات الكتابة السردية.
ولعلّه لا يحيد في أغلب قصص المجموعة عن هذا التمشي / الاختيار، ففي "محاولة سيزيف" يعيد كتابة الأسطورة بطريقته الخاصة وبمفرداته التي تخيّرها لنصه، حيث ستكون المحاولة محاولات، وسيزيف سيصبح جمعا في صيغة المفرد، لنتابع أكثر من حكاية / قصة على امتداد النص، فسعي سيزيف الذي لا يعرف اليأس إليه سبيلا، تجعل من فعل الكتابة عند سليمان هوسا بالفعل الإنساني اللامنتمي لجنس أو عرق أو لون، هو فعل يقطع مع كلّ تجنيس، ليحلّق في دهشة لامتناهية. نقرأ هنا إحدى فلتات الكاتب حيث تصبح الصخرة نهدا ويصرخ سيزيف أنه سيتمكن أخيرا من إيصالها إلى الأعلى بيسر و دون عناء بعد أن خطر بباله أن يمتص كلّ الحليب المختبئ داخل النهد.
"رأى سيزيف في المنام أن ما كان يدحرجه ليس صخرة وإنما نهد امرأة ضخم.
وخطرت على باله فكرة: بحث عن حلمة النهد، وحين وجدها راح يمتصها، فامتلأ فمه بحليب دافئ لزج. امتص سيزيف الحليب بنهم، وكلما امتلأ بطنه به، كان النهد يفرغ وحجمه يصغر."
ومع ذلك فلن ينجح ليعيد المحاولة ثانية وثالثة ورابعة، ليتيقّن أنه أمام محاولات بائسة لا جدوى من ورائها، ولكنه يكتفي بشرف المحاولة ولا يمكن لأي شيء أن يعيق إصراره على الصعود بالصخرة.
"رأى سيزيف في المنام أن الصخرة التي كان يدفعها لم تكن صخرة، وإنما تفاحة ضخمة.
فكر سيزيف انه إذا ما تمكن من قضم كامل التفاحة، فلن يبقى منها سوى النواة، ويسهل بذلك حملها إلى القمة. قضم سيزيف التفاحة، وكم كانت خيبته كبيرة عندما تيقن أنها مرة بشكل لا يطاق. وبصق على الفور ما في فمه. قرر أن يذوق جهة أخرى من التفاحة علها تكون أقل مرارة. ولكن تبين له أن الجهة الأخرى أشد مرارة. وبصق سيزيف مرة أخرى ما في فمه، وقرر أن رفع التفاحة بثقلها إلى القمة، أهون بكثير من محاولة أكلها."
"في ساحة جون جنيه" لن يخلو المشهد السردي من عنصر الدهشة والمفاجأ، بل هو يسبح بالقارئ في عالم يكسر كلّ التوقعات، حيث اعتمد وليد سليمان هذين العنصرين ليقدم لنا بكلّ وعي المبدع جانبا آخر من شخصيّته وهو المترجم حث نقرأ على طول القصة حكاية قارئ نهم يزور حديقة تعجبه يدمن الجلوس فيها لقراءة كتابه المفضل "كتاب الرمل" لبورخيس، وليجلس بمحض الصدفة إلى جانب شيخ بعينين رماديتين بهما احمرار ولمعان يرى عادة لدى الأشخاص المتوقدي الذكاء، ويواصل الكاتب رحلة الاكتشاف التي بدأها منذ اللحظة الأولى التي التقت فيها عيناه بعني الرجل المسنّ والذي أحس من أول لقاء أنه يعرفه، لنكتشف في نهاية القصة أنه.
"وفيما كنت أبحث في أحد الرفوف، شدت انتباهي مجموعة من الصور معلقة فوق رفوف الكتب. كانت صورا بالأبيض والأسود لمشاهير الكتاب. وبين صورة لسارتر وكامو، سرت في رعشة حين رأيت صورة لشخص حليق الرأس تماما يدخن سيجارا كوبيا. تركت الكتاب الذي كان في يدي على الرف كيفما اتفق وتقدمت نحو الصورة لأقرأ ما كتب تحتها. وحين قرأت (جان جينيه)، لم أصدق أن ذلك الشخص الحليق الذي كان يجلس بجانبي ويحدثني هو صاحب تلك الصورة وواحد من أكبر كتاب عصرنا."
أما قمّة المتعة السردية فكانت مع القصة التي استعار الكتاب عنوانها "ساعة اينشتاين الأخيرة" حيث مزج سليمان قدرته العجيبة على سرد التفاصيل الدقيقة لحالة البطل النفسيّة، وبين تقنيات سردية غاية في الإتقان والتماهي مع نص موغل في التشظي، فـ "اينشتاين" أو الساعاتي هذا الرجل غريب الأطوار الذي يعكف منذ سنين على صندوقه وأدواته البسيطة على جانب الطريق يصلح ما استعصى من ساعات وبأثمان بخسة، سيجد نفسه أمام ساعة غريبة عجيبة ورغم أنها من ذلك النوع التايواني الرخيص الذي يباع في أكياس بالوزن، فإنّه لم يفهم سرها ولم يعلم كنهها، فيلقي كلّ ما بين يديه ليهتمّ بها، وأمام عدم قدرته على تطويعها يترك كلّ شيء ويعود لغرفته في إصرار إنساني عجيب على إصلاحها، هو الذي لم تأخذ أية ساعة مهما كانت أكثر من ساعة بين أصابعه، لم يعد (اينشتاين) في الصباح ولا في المساء، حتى وجده صاحب الغرفة معلّقا بسقفها، "رفع رأسه مصادفة دون أن يرتاب للحظة واحدة أنه سيرى فردة حذاء معلقة، ولكن خلف الحذاء كان هناك جسد بكامله يتدلى من السقف."
"ساعة اينشتاين الأخيرة" باكورة منشورات "ديدالوس" وهي مجموعة قصصية للكاتب والمترجم التونسي وليد سليمان، وجاء الكتاب في 78 صفحة. ويطمح سليمان من خلال منشورات "ديدالوس" إلى تقديم أعمال إبداعية تونسية وعربية مميّزة. وتضمّنت المجموعة القصصية الأولى لسليمان تسع قصص متفاوتة الطول. صالح سويسي ـ شاعر وإعلامي تونسي