كتابة الطفولة .. اكتشاف للبكارة أم نوع من الحنين؟

أطلق زمام أمرك للطفل الذي كنته

لم يزل مجلسي على تلّي الرمليّ يصغي إلى أناشيد أمسي

لم أزل طفلة سوى أنني قد زدت جهلا بكنه عمري ونفسي

لعل نازك الملائكة قد عبرت بهذين البيتين عن تلك الـ "ثيمة" الأثيرة لدى المبدعين، وهي استدعاء الطفولة فيما يكتبون، وهي النزعة ذاتها التي قصدها توفيق الحكيم بقوله "ما الفنان إلا إنسان احتفظ ببعض قوى الطفولة، لينسج لنا أوهاما وأخيلة وصورا، توسع لنا قليلا من أفق حياتنا المادية الضيقة"، فما هي دوافعهم لذلك؟ هل تكمن فقط في الحنين إلى ماض يرونه جميلا أم ماذا؟

القاص سعيد الكفراوي يرفض القول بأن العودة للطفولة رد على قبح الواقع ورثاثته، "ففي ورود نبع الطفولة اكتشاف لمناطق جديدة لم يطأها الأدب العربي من قبل، مناطق شبه مجهولة، أفضل ارتيادها، والطفولة بالنسبة لي ليست كما يراها البعض مرحلة ما بعد الفطام، بل هي عندي مرحلة الشفافية المبكرة، فترة اكتشاف البكارة، وبالتالي فاللجوء إليها إبداعيا ليس نوعا من النوستالجيا، إذ أن استعادة الماضي في الطفولة يمثل استعادة لإمكانيات كامنة في تضاعيف هذا العالم، وفي مواجهة الانسحاق وهزائم الروح والجسد لا بد من استعادة الطفولة لنحافظ على أرواحنا من الاحتراق في أتون هذا العالم، فيصبح اكتشافا مدهشا ومبهجا لكتابة جديدة".

ويضيف الكفراوي "الطفولة نافذة على مكان، ومرجعية لحياة تعيش في القلب، وقديماً قالوا الطفل أبو الرجل، وقد عشت طفولتي بين الكبار، ذقت آلام الضرب بجريدة النخيل، وشيعت جنازة الطفلة الشيخة الطاهرة، ورأيت في فتحة القبر عظام الأموات وجماجمهم، فانفطر قلبي ودفعني المشهد طوال عمري لأكتب عن إحساس الرحيل، وعرفت الطريق إلى السينما، فكنت أنتقل من قريتي إلى المدينة وأعود آخر الليل، والكلاب تطاردني، الطفولة هي الإرث الفادح عن الماضي، ودائما ما تخايلني وصية خوسيه ساراماغو الكاتب البرتغالي الكبير حين يقول: "أطلق زمام أمرك للطفل الذي كنته"، والطفل عندي يمثل فيما كتبته متنًا طويلًا في العديد من القصص، من خلاله تعرفت على الدهشة. دهشة الاكتشاف وأول لحظات الحزن أو الفرح، دهشة التعرف على الموت، فالطفل كان دائمًا لحظة اكتشاف للخفيّ والمسكوت عنه ولحظة دهشة عن الحياة والموت والحفاوة بالحياة، وهو السؤال الأساسي فيما كتبته عن عالم القصص. عبدالمولى كان طفلًا واحدًا بإجابات كثيرة، هو الذي شاهد صندوق الدنيا وخاف من الجمل وشاهد الموتى وأعطته الأميرة فوزية قلادة ذهبية مكافأة له على حبه للملك".

• طزاجة المرحلة

أما الروائي إبراهيم عبدالمجيد فيقول: "في بداية عهدي بالكتابة تراكم على مرحلة الطفولة تراب وصدأ، ربما لانحيازاتي وتوجهاتي السياسية والاجتماعية، لكن فيما بعد ولأسباب كثيرة، رأيت أن كتابة قصة جيدة أهم من أي مشاركة سياسية، فكانت العودة للطفولة وسيلة من بين وسائل عدة لجأت إليها لتخليص الفن من وطأة السياسة. وقد بدأ ذلك عندي من رواية "المسافات"، كذلك في "ليلة العشق والدم" و"الصياد واليمام"، وفي القصة القصيرة هناك مجموعة "الشجرة والعصافير"، وقصص قصيرة جدا بعنوان "حكايات البراءة".. هذا بالنسبة لتجربتي، أما عن الآخرين فيمكن إضافة إلى ما سبق تفسير ولع الكتاب بالرجوع لطفولتهم إلى الرغبة في مقاومة جهامة الواقع، كما أن طزاجة المرحلة تكسب الكتابة عنها طزاجة وألقا.

• مواجهة محتدمة

أما الروائي محمود الورداني فيقول: "سبب شخصى تماما جعل الطفولة تحتل حيزا في كتابتي، فقد عشت طفولة غنية متنوعة، وخضت تجارب عديدة في مرحلة متأخرة من طفولتى، كان فقدي لوالدي وأنا ابن سنتين سببا لخوضي تجارب طفولية قاسية قادتنى الى الإصطدام المبكر بالعالم، ومفاهيم الطفولة عندي لا تنطلق من المفاهيم الشائعة حول الطفولة بشكل عام".

وأضاف "ليس ثمة براءة في طفولتي ولا عالم وردي أسعى إلى استعادته، بل مواجهة محتدمة، وحرق مراحل سنية بكاملها دون المرور عليها، وقد يكون صحيحا ما يدعيه البعض من كون لجوء الكتاب لمرحلة الطفولة احتجاجا على قبح العالم وقسوته، لكن أضيف أن الكتاب الذين لجأوا للطفولة جاءوا في وقت الهزائم الكبرى والفقدان غياب الأطر المرجعية وسقوط الرموز، فضلا عن انقلابهم على البلاغة القديمة والكتابة القديمة، فالأمر ليس مجرد احتجاج سطحي على قبح الواقع لكنه أكثر تركيبا وتعقيدا وكما أراه مواجة محتدمة".

• الطفولة والموت

أيضا مشاعر اليتم لونت طفولة القاص والمترجم حسين عيد فيقول: "في السابعة من عمرى فقدت أبى وهذا كان الحدث الأهم الذى شكل طفولتى، فانطلقت في كتابتي من الموت، وأجمل قصصي تلك التي تناولت فيها الموت من وجهة نظر طفل، بكل ما يكتنف ذلك من سوداوية، كما في مجموعتي (لو تظهر الشمس).

وأعتقد أن طفولتي هي التي حددت انتمائي الشعبي بشكل جذري، وهي التي عمقت الهم الاجتماعى الموجود في قصصى، والطفولة عموما مرحلة مهمة بالنسبة للكاتب، هي مرحلة البناء والتشكيل لشخصيته، لكن لكل منهم نظرته الخاصة لما حوله، وهي غالبا تتسم بالبراءة والصدق لم يزيفها ولم يقتل سحرها زيف واقع الكبار".

• طفولة قلقة

الروائي والتشكيلي ناصر عراق يؤكد أن طفولته لم تمنحه نصا إبداعيا، لكن ثمة شذرات طفرت منها في رواياته، ويصف طفولته بأنها كانت فترة قلقة، فذكرياته البعيدة محصورة بين نكسة 67 التي وقعت وهو في السادسة من العمر، فامتلأت طفولته بمفردات غريبة بالنسبة لطفل تناثرت من أحاديث أبيه مثل حرب الاستنزاف وحائط الصواريخ، ولما رحل جمال عبدالناصر دون سابق إنذار شاهد الطفل دموع أبيه للمرة الأولى، بعدها نشبت حرب أكتوبر، وكان للطفل أشقاء أنهوا تعليمهم الجامعي وانضموا للجنود، هكذا وجد الطفل قاموسه اللغوي يثرى بمفردات جديدة عن الحرب والسلاح، فتختصر ذكريات الطفولة زمنا مفعما بالتغييرات والمفاجآت على الصعيد العام، وعلى صعيد بنائه النفسي وانتقاله من طور إلى آخر حاملا معه قلقه، لينقله تاليا إلى قلق الكاتب، ويكون قلقا منتجا في عالم الفنّ والأدب وإن لم يترجم ذلك إلى نص مباشر عن الطفولة.

• فردوسنا المفقود

في حين يبوح القاص شريف صالح بأن "ثيمة الطفولة تلح علي كثيرا، ربما في كل مجموعة قصص لي تجد نصا ينتمي للطفولة لأنها تشكل حياتي. فمازلت أعيش طفولتي إلى الآن، بكل رصيدها من الدهشة والبراءة وأيضا اللهو، الطفولة فردوسنا المفقود عشتها في قرية تكاد أن تلامس حافة البحر المتوسط، وسط الطبيعة وكائناتها الخضراء والحية، ثم حُرمت من هذا الفردوس بالعيش في مدن كبيرة وضاجة مثل القاهرة. فلم يفارقني الحنين إلى الطفولة وهي ترتبط في ذهني دائما بالقرية".

ويتحدث الناقد الدكتور حسام عقل مفسرا تأثر المبدع بمرحلة طفولته: "الطفولة بمعناها وليس بمرحلتها العمرية وثيقة الصلة بالإبداع عموما وبفنون السرد خصوصا، فالإبداع حلم يسعى للتحقق، وخيال يروم التجسد، وشغف للاكتمال وكل هذه المعاني كامنة في الطفولة، كل منا بداخلنا ذلك الطفل الفاغر فاه دهشة ونزقا، ينتظر المبدع الذي يخرجه على الورق، وأرسطو حين قال بالمحاكاة كماهية للفن كان يفسر دافعيتها كغريزة أي ليست متولدة عن تجربة وإنما هي نتاج للطفولة كمعنى ووظيفة، كذلك عند الرومانسيين تحيل دافعية الفن إلى الطفولة لكن من زاوية الذاتية والتلقائية، وهنا نتذكر مقولة الشاعر الرومانسي الكبير ووردزوورث: الطفل أبو الرجل. وحتى عند السرياليين، فجاستون باشلار مثلا أرجع شعرية رامبو إلى طبيعته الطفولية، وهكذا كل إبداع جميل يستمد قدرته على إحداث الدهشة من تلك النزعة الطفولية عند مبدعه.” (خدمة وكالة الصحافة العربية)