كارثية الوضع الصحي في العراق لا تخفيها أرقام وإنجازات وهمية في تقييم أداء وزارة الصحة

بقلم: د. عمر الكبيسي

مع جل احترامي لوزير الصحة الدكتور مجيد امين الذي القى تقريرا معدا له مليئا بارقام سبق وان طرحت بندوات قبل استيزاره لا تمس الحقيقة ولا حتى تقترب منها كما انها ارقام لمرحلة سبقت فترة الوزير الجديد ولا تعكس انجازاته وهي مسائل تتعلق بنسب الوفيات والغطاء السريري والأجهزة وتوفير الدواء وطب العائلة. فإذا كانت كانت هذه الارقام حقيقية فاعتقد ان الوزير السابق الدكتور الحسناوي هو احق بمقعد الوزارة من غيره لأن ما ذكر من أرقام وانجازات تحسب لفترته. ولغرض إظهار الخلل في مجمل تقرير وزير الصحة أود التأكيد على مكامن الخلل التي بدون تصحيحها واعطائها الاسبقية فان الموت والمرض والانحدار بالوضع الصحي سيبقى كارثيا. وليعرف هذه الحقيقة اكثر من سبعين طبيباً أعضاء في مجلس النواب الحالي إضافة الى الحكومة والوزراء الأطباء ومنهم الدكتور رافع العيساوي نائب رئيس الوزراء الحالي.

اولاً: من السهل ان توضع برامج تقويم ولكن من الصعب تنفيذها بلا تخصيص. أي مبلغ يقل عن 10 بالمئة من مجمل مخصصات الميزانية العامة مخصص لصحة المواطن العراقي يعد معيارا للتأخر والتقصير في الخدمات الصحية والطبية علما بان دول مجاورة غير نفطية تجاوزت هذا الرقم في التخصيص. هل ذكر السيد النائب والسيد الوزير كم هم مجمل ما مخصص لهذه الوزارة؟ وهل طالب بتخصيص جديد اضافي لتحقيق ما في تقريره من برامج تنمية؟

ثانياً: هل ذكر السيد الوزير ان الأطباء الذين تخرجوا حديثا في السنوات السابقة والذين يفترض ان تكون درجات وملاك تعيينهم متوفرة في وزارة الصحة بعد تخرجهم لا زالوا يعملون بعقود ولا تتوفر لهم درجات وظيفية، لماذا؟ كم عدد الخريجين من الاطباء الجدد من كلية الطب تم توظيفهم؟ كم نسبة الذين هاجروا أو هُجروا؟ أي مستقبل واعد لصحة العراق حين تتسرب اعداد اكثر من 0 % من خريجي كليات الطب خارج العراق؟

ثالثا: إذا كانت ارقام الأسرة الحالية او ما يسمى بالغطاء السريري تحتاج الى زيادة، لماذا حرم المواطنين من 25% من اسرة القطاع العام لتكون اسرة القطاع الخاص على حساب القطاع العام في وقت تجاوز عدد المستشفيات الخاصة في بغداد والمحافظات الحاجة بسبب مرونة غير مطلوبة بمنح اجازات لمستشفيات لا تفي بالمواصفات المطلوبة؟ لم يتكلم السيد الوزير عن كلفة السرير الواحد من الغطاء السريري ومن أين سيوفر التمويل لها ضمن التخصيص الموجود.

رابعا: تحدث الوزير عن ارقام لأجهزة مستوردة وتأثيرها في تحسين الوضع الصحي. وحقيقة الامر كما كتب احد المختصين ان معظم هذه الاجهزة اما دون المستوى المطلوب وبقيت عاطلة او ان قسما كبيرا لا تتوفر اياد فنية ومتخصصة لتشغيلها. تحدث السيد الوزير عن اجهزة حرق المخلفات الطبية وليته تطرق عن آلية وكيفية اجراء هذا العقد ومن هو صاحب المصلحة في هذا العقد. ولا اريد ان اتكلم عن عقود الاجهزة المختبرية واجهزة مصارف الدم العاطلة.

خامساً: تحدث رئيس الوزراء ونائبه عن الايفاد للعلاج خارج العراق وضرورة تقليص هذه الظاهرة. وبلا استغراب استمر هذا الهدف اللامنشود امل كل الحكومات السابقة دون تحقيقه والسبب في ذلك لا يعود الى توفير الكفاءات خصوصا بالنسبة للأمراض المعندة والسرطانات ولكنها تتعلق بطبيعة تشبث الانسان بالحياة وهو حق مشروع. العراق بلد متطور في تشخيص وعلاج امراض القلب وبالاجراءات القسطارية التشخيصية والعلاجية ولكن عندما اصيب السيد السيستاني ورئيس الحكومة نوري المالكي بنوبتين حادتين تم نقلهما الى لندن لاجراء القسطرة. وعندما يصاب مسؤول بدرجة مرافق أو حماية او مدير عام فما فوق بشكوى بسيطة تجده راقدا في احد مستشفيات الدول المجاوره بل ان احدهم لامر بسيط راح في سفرة تجوال للعلاج من دولة الى اخرى لينتهي به المطاف للرقود في مستشفيات طهران! هل يعني هذا ان العراق متأخر طبيا؟ في عمان مركز متطور للسرطانات ومع ذلك يسافر المرضى به الى مستشفيات اوروبا واميركا للعلاج كما هي الحال في بريطانيا نفسها.

سادسا: تطرق العديد لنقص في كوادر التخدير وضرورة ايفاد الاطباء للإختصاص او جلب اختصاصين بالتخدير من الخارج. وحقيقة الأمر المحجوبة هو ان العراق كان ولايزال من اوائل الدول في المنطقة تطورا بهذا الاختصاص. لكن الذي حصل ان كوادره التدريسية والاختصاصية هاجرت من العراق علما بان معظم النواقص كانت تحل من خلال دراسة دبلوم لسنة واحدة نظرية وعملية والتي لا يمكن حاليا توفيرها بالخارج لان شروط التدريب تستوجب اجراء العديد من امتحانات مزاولة المهنة وللحصول على شهادة اختصاص بالتخدير يحتاج الموفد الى فترة خمس سنوات. المشكلة لا تتعلق باختصاص التخدير. فهناك نقص كبير بالاطباء الاختصاص والاستشاريين في جميع المجالات، وبالأخص في اختصاص الامراض السرطانية والنفسية والإدمان والجراحات القلبية والعصبية والعيون والتجميل. ولن تحل هذه المشكلة ما دامت ظاهرة التهجير مستمرة بل متزايدة خصوصا خلال الأشهر الأخيرة التي تميزت باستخدام القتل بالكواتم. لكن خلال مناقشة وزير الصحة لم تتم مناقشة معالجة عودة وحماية الكفاءات وتحسين الوضع الامني في حين اختصرت القضية بدعوة اطباء اختصاصيين لزيارات قصيرة يجرون خلالها عمليات لا تجرى حاليا وهذا أمر لا يوفر حلاً. هجرة الاطباء وتفاقمها وشمولها للخريجيين الجدد ناهيك عن الاستشاريين والتدريسيين هي المشكلة التي تحتاج الى حل ولم يتطرق احد لحلها. كما لم يقدم الوزير ارقاما باعداد المهجرين والنازحين من الاطباء ولا ارقاما باسماء من عادوا لوضائفهم وهذا امر اصبح محال بسبب اشغال درجاتهم الوظيفية.

سابعاً: لا يزال العراق يحتل ارقاما عالية بالنسبة لوفيات المواليد والاعمار دون الخامسة والولادات ومضاعفات امراض القلب والسكري والامراض المعدية والاسهال الصيفي والربو والتسمم الجرثومي والدوائي بل وامراض المزاولة الطبية وهذا موثق بتقارير الهيئات الطبية والصليب الاحمر واليونسكو ولا تستطيع أرقام وزارة الصحة ان تفند هذه الأرقام.

ثامنا: الادوية الفاسدة المنتشرة والصيدليات والمذاخر غير المجازة وانتشار المخدرات وظاهرة الادمان على الكحول والأدوية تشكل أزمة صحية كبيرة. مقولة سد الاحتياج الدوائي بنسبة 80% لا تعني شيئا ان صحت، المهم ان نعرف مصادر المنشأ للإدوية البديلة وكفائتها وبالأخص ادوية الامراض المعندة والسرطانات التي تحتفظ شركات تصنيعها بفترة طويلة للتحكم بصنعها والتي ثبتت كارثيتها من حيث المفعول والامنية والرصانة والسمية.

تاسعا: كارثة التلوث البيئي والاشعاعي والجرثومي وما ترتب عليه من أمراض وتشوهات واورام وما يحمله هذا التلوث من مخاطر ثبتت وقوعاتها بدراسات احصائية ونسيجية حتى من مراكز البحرية الاميركية البحثية والطبية ومن مراكز الاحصاء الطبي في المنطقة لم تتم مناقشة هذا الموضوع الذي يحظى باهتمام الباحثين والمهتمين بالأوبئة والصحة العامة. اكتفي هنا ولن اتحدث عن انحطاط التعليم الطبي ونقص كوادر التمريض وشؤون رعاية المعاقين ومتطلبات الخدمات الخاصة وتجارة الاعضاء وبيع الاطفال وسرقة المولودين والعناية بالخدج وتوفر المستلزمات واهمها الغسل الكلوي وتصفية الدم وفصل المكونات وتوفر المعقمات ونسب التلوث الجرثومي في المؤسسات وتفاقم ظواهر السلوك الطبي المعوج أو الشاذ ومشاكل المستشفيات والعيادات الخاصة وانتشار الرشوة واختلاس الدواء وحرق المخازن ووثائق العقود والإستيراد وفساد العقود وتشابك المسؤوليات وتجاوز الصلاحيات ودوائر وغرف العقود المتنقلة من عاصمة الى أخرى وتصرفات المفتش العام والوكلاء وكثير من المشاكل والنكبات التي تنئى بكاهل وزارة الصحة والوضع الصحي الكارثي.

د. عمر الكبيسي