كاتب مصري يتساءل: هل يكون شنودة الثالث البابا الأخير؟

الفرضية تحولت إلى نبؤة

القاهرة ـ بعد أن أثار خبر قرب صدوره ردود فعل مسيحية غاضبة بين الأقباط، صدر كتاب "خريف الباباوات من الفاتيكان إلى كرسي الاسكندرية: هل يكون شنودة الثالث البابا الأخير" لخبير الاجتماع الديني ممدوح الشيخ.

والكتاب حسب مقدمة تسبق المقدمة: "بدأت كتابته خلال الشهور الأخيرة من حكم نظام حسني مبارك" وبعد الثورة انتبه المؤلف في القراءة الأخيرة إلى أن الكتاب بني على فرضية حدوث تحول ديموقراطي في مصر، وكأن الفرضية تحولت إلى نبؤة!

والكتاب الذي ما زالت نبؤته موضوع اختبار كونه ينطلق بوضوح من أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية لكن تكون قابلة للاستمرار في ظل مناخ ديموقراطي وأن هذا التحول بداية "خريف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية".

وبعد مقدمة طويلة تستعرض ملامح تاريخ العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها يستخلص المؤلف أن الجانب الذي لم يحظ بالقدر الكافي من اهتمام المتابعين لقضية الأقباط هو البعد الداخلي في أزمة مسيحيي مصر. فالعالم يشهد تطورات لم تكن الكنيسة لتنجو من تأثيراتها منها أن العالم يشهد حضوراً متزايداً للدين في العالم، وفي الوقت نفسه تصدعاً خطيراً في بنيان البابويات (وبالدرجة الأولى الفاتيكان). ويستتبع هذا ما يطلق عليه "النزيف الصامت" من الكاثوليكية إلى المذاهب الأكثر تحرراً، وأحياناً خارج المسيحية.

كما تشهد "المسيحية" عالمياً أزمة هي الأكبر في تاريخها منذ عصر النهضة بسبب الأضرار البالغة التي ألحقتها الانتهاكات الجنسية الواسعة في الكنسية الكاثوليكية التي أفقدت كثيراً من المسيحيين الثقة في الإكليروس الديني عموماً، وبعضهم فقد الثقة في المسيحية كدين. وشهدت السنوات القليلة الماضية جدلاً عقائدياً "مؤلماً" لكل المسيحيين كان من أهم نماذجه الضجة التي أحدثتها أعمال الروائي البريطاني دان بروان، وبخاصة "شفرة دافنشي" و"ملائكة وشياطين". وشهدت مصر ضجة مماثلة أحدثتها رواية "عزازيل" للدكتور يوسف زيدان. بل إن استعادة مصر "إنجيل يهوذا" وهو في النهاية قطعة أثرية بغض النظر عن محتواه العقائدي، أثار ردود فعل مسيحية تكشف عن أزمة داخلية مسيحية كبيرة. وهي أكبر من كل ما يثار عن حقوق منقوصة أو اضطهاد رسمي أو تحامل اجتماعي.

وقد ارتكب البابا شنودة عدة أخطاء تاريخية كان الدافع لارتكابها طموح البابا الشخصي أولاً وأخيراً، فلم تكن رد فعل على ضغوط داخلية ولم تكن استجابة لتحولات خارجية، بل كانت "قفزة في الفراغ" ستظل تبعاتها تثقل كاهل الكنيسة المصرية لسنوات. أول هذه الأخطاء وأخطرها الرهان على التحول إلى "فيتو" على حقوق الأغلبية. وثانيها: الرهان على جدوى تحالف "قصير النظر" مع العلمانيين الأكثر تشدداً ضد كل رمز للإسلام في الشأن العام، وهو تحالف أغفل حقيقة أن النجاح في تحقيق أهدافه سيفتح الباب – في المرحلة التالية – لعملية تهميش لكل ما هو مسيحي لا تقل قسوة. وثالث الأخطاء التاريخية هو بناء "وعي زائف" للأقباط محوره الرئيس مقولات: "استعادة مسيحية مصر"، واستتبعت المقولة معجماً شاملاً مفرداته: "السكان الأصليين"، "إبادة الأقباط"، "الإكراه على اعتناق الإسلام"،... إلى آخر مفردات قاموس الصراع الذي حاول به تحقيق هدفين:

إجبار الدولة – والأغلبية المسلمة – على وضع يكون فيه للأقباط وضع يحصلون فيه على نوع من "التمييز الإيجابي"، ولإدراكه أن ما يريد تحقيقه لا يمكن أن يتم في مناخ من المشروعية الدستورية والقانونية، فإن البابا اختار أن يكون رهانه على تأييد الاستبداد. وحدث هذا رغم أن كنائس أخرى اتخذت في مواقف مشابهة مواقف داعمة للديموقراطية، دون أن تخرج عن دورها الكنسي.

فالبابا شنودة أراد أن يحصل للأقباط على وضع لا يمكن الحصول عليه إلا من سلطة مطلقة مستبدة، وخطؤه في هذا لا يقف عند حد أنه لم يختر الرهان "الرابح" بالمعنى النفعي المحض، بل لم يستطع أن يرتقي بكرسي الإسكندرية إلى مستوى الالتزام الأخلاقي الذي وصلت إليه الفاتيكان في موقفها الداعم لحرية مواطني أوروبا الشرقية، ولا إلى موقف القس ديزموند توتو الذي قام بدور تاريخي في مواجهة "نظام الفصل العنصري" ولا استطاع أن يتخذ موقفاً مبدئياً كالذي اتخذه قساوسة زيمبابوي ضد الطاغية روبرت موجابي.

وعندما تعالج الكنيسة تصدعات عقائدية داخلية بتحريض أتباعها على الأغلبية المسلمة وبناء "صورة نمطية" مشوهة للإسلام والمسلمين والثقافة الإسلامية فإن هذا - على الأرجح – لن ينقذ الكنيسة الأرثوذكسية المصرية من التصدع، صحيح أنه قد يؤخر التصدع لكنه لمن يمنعه. ولا نبالغ إذا قلنا إنه لولا الضغوط – الكنسية والأمنية والاجتماعية – التي تمارس لتقييد حرية انتقال المسيحيين لاعتناق الإسلام فسوف تختفي الكنيسة الأرثوذكسية المصرية خلال خمسة وعشرين عاماً، أو في أكثر الأحوال تفاؤلاً، سيتحول أتباع المذهب الأرثوذكسي القبطي إلى أقلية مجهرية لا تكاد ترى بالعين المجردة.

فبسبب مشكلات التقليد الكنسي الأرثوذكسي تحولت مشكلة الطلاق إلى سبب من أهم أسباب "النزيف الصامت" من الأرثوذكسية للمذاهب المسيحية الأخرى – ولاعتناق الإسلام – وبسبب السيل الهادر من الدراسات التي تهدد بتقويض الإيمان المسيحي تواجه الباباويات العريقة أزمة كبيرة. والنزيف عادة يحدث من الطوائف الأكثر تشدداً، وفي حالة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فأن مواجهة الأزمة كانت بالانحياز لخيارات خاطئة!

والكتاب نبوءة ستتكفل الأيام باختبارها، إذ سيتصاعد النزيف من جسد الكنيسة الأرثوذكسية – أكثر من غيرها من الطوائف – وقد يكون البابا شنودة الثالث آخر الباباوات الكبار، لا باعتبار مؤهلاته الشخصية التي قد تتوافر لكثيرين من المرشحين لخلافته، بل باعتبار الوزن النسبي لأتباع كنيسته، و"صورتها الذهنية".