كاتب جزائري يعطر أوهامه الشهية بمشاهد ثقافية

بقلم: أحميدة عياشي
حساسية نقدية مليئة بالسخرية والفكاهة

كنت في مكتبي عندما دخل علي الزميل الكاتب الخير شوار، وأهداني دون مقدمات، مولوده الجديد المعنون ''الأوهام الشهية، نظرات في مشاهد ثقافية'' شكرته لأنني كنت غارقا في إعداد مقالتي الكروية.
بعد أن انتهيت، تصفحت الكتاب الصادر عن منشورات ألفا، ضمن سلسلة سيتل، قررت أن أحمله معي إلى البيت إلى جانب، كتابين، هما، ''الوصايا المخدوعة'' لميلان كونديرا و''الحشاشون'' لبرنارد لويس.
دخلت المنزل باكرا، ثم دخلت الصالة، ووضعت أمام الطاولة الصغيرة عناوين أخرى كانت على المكتب من بينها ''إدريس'' لعلي الحمامي الذي قام بترجمته أخيرا المترجم الفذ يحياتن.
استلقيت على السرير ووضعت موسيقى هادئة، وشرعت في قراءة ''الأوهام الشهية'' من الصفحة الأولى إلى غاية الانتهاء منه، وهو في الحقيقة من الحجم الصغير، وكانت صفحاته التي ضمت مقالات شوار التأملية والنقدية ذات الأسلوب الراقي والممتع حوالي 119 صفحة.
ومنذ اللحظة الأولى يحاصرك الخير شوار بلعبة تتأرجح بين ما هو حقيقي وما هو طيفي. أين تكمن الحقيقة، حقيقة الأشياء في نسبيتها أو في منطقيتها؟ في تاريخيتها أو في تحولاتها الخادعة؟ في لحظتها المشعة أم في لحظتها القاتمة المشعشة بالظلال؟
تبدو المواضيع متنوعة ومتزاحمة ومسائلة لذاكرة الراهن التاريخي ولراهنية الراهن، لكن في جوهرها هي عبارة عن سؤال واحد، متشعب يجيد لعبته ما بين عالم الظاهر وعالم الباطن. وهذا السؤال هو الشك في كل ما يبدو حقيقي، لأن كل ما هو حقيقي قد ينطوي على كل ما هو وهمي، الجدار الذي يفصل بين سؤال الحقيقة وسؤال الوهم هو جدار شفاف، متلاش ومضلل. كل ما هو وهمي هو حقيقي وكل ما هو حقيقي هو وهمي، كل واحد منهما هو امتداد للآخر والعكس صحيح.
ويبدأ شوار الحفر في لعبة الحكي ولذته الأولى المرتبطة بلحظة الطفولة، ولحظة الطفولة هنا هي أيضا لحظة الزمن البدائي، الزمن البسيط، الزمن القروي الخالي من عقد التكنولوجيا وسطوة الميديا المرئية والسمعية، ليقول لنا شوار، إنه كان زمن الحكاية التي تشكلك، تشكل وعيك لكن تشكل أيضا إنسانيتك ومستقبلك الإنساني، إنه عهد ما قبل سطوة وسلطة التلفزيون، ثم يقودنا شوار إلى لحظته الحميمية المشكاكة فيما تدعيه القواميس، واللغات والأسماء الميتة من سلط وتسلط بحيث تجعل من الأموات هم الحكام الحقيقيين الذين يقودون الأحياء، يتميز نقده لها بالسخرية الخفية، ويطرح علينا من خلال مساءلته لحظة ميلاد الإبداعية التي لا تأتي إلا ضمن قانونها الخاص الذي يتجاوز إرادة المؤلف ذاته.
ويعطي أمثلة على ذلك، غارسيا ماركيز عندما كتب مائة عام من العزلة، وإيكون في اسم الوردة، ونيوتن في تفاحته، وأرخميدس مع حمامه. وفي مقالة ''مدار الحلزون'' يجعل من نيتشه مطرقته ليهشم بها رأس دعاة النمطية وسلطة الأحادية، ليذهب بعيدا بمطرقة نيتشه من أجل تهشيم كل تلك الثقافة الخادعة والمتسلطة والمتسربلة بإيديولوجيا الكلمات الرسمية من مثل الرعاية السامية.
وبالرغم من أن الخير شوار كشف في هذا الكتاب عن قارئ ذكي، وواسع الإطلاع وفي حساسية نقدية مليئة بالسخرية والفكاهة التي طالما نفتقدها لدى الكثير من أدبائنا ونقادنا إلا أنه لم يكن استعراضيا ولا متبجحا، بل حاول أن يكون صوته خفيا، أشبه بالبياض الذي دافع عن جلالته، وأقرب إلى الصمت الخلاق، المبدع، الذي يثير في نفسك شيئا كالهدوء يتحول إلى التفكير معه والتفكير ضد من يكون معه، أي ضد نفسك، وضده وذلك من أجل أن تكون قارئا خلاقا، مبدعا، وقارئا غير تابع ومتلقي وسلبي.
كتاب، أنصح بحب، كل من لا يحب الخير شوار أن يقرأه، فإنه سيكشف شوار لمن لم يكن لديه الوقت، ليعرفه. إنه شوار القارئ، شوار الحفار بصمت وإبداع. أحميدة عياشي ـ الجزائر