كاتبة وكاتب.. وثالثهما الحب (3)

هناك رجال لا يمكن قتلهم إلا من الداخل

يحفل الوسط الأدبي بثنائيات أدبية عديدة وعلاقات عاطفية دامت سنوات طويلة، بعضها استمر مراسلات أدبية ووجدانية ولم تتوج بلقاء أبدا، وبعضها انتهى نهاية مأساوية بالانتحار، وكثير من القصص انتهت بالانفصال والغياب والفشل، ولم يكتب النجاح لغالبية هذه العلاقات.

غير أنها وإن فشلت اجتماعيا وعاطفيا لكنها أنتجت مادة إبداعية شغلت النقاد والقراء وكانت تتنوع بين أكثر من جنس أدبي كالمراسلات التي دارت بين مي زيادة وجبران خليل جبران، وبين غادة السمان وغسان كنفاني، وكنتاج شعري كالذي كتبته سيلفيا بلاث وزوجها تيد هيوز، والكتابات الفلسفية التي أنتجتها علاقة جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار.

علاقات عاطفية كثيرة دخلت مساحة التواصل من باب واسع هو الإبداع واستندت إلى جدار الحب، تكسرت المشاعر على ذلك الجدار وتهاوت مثل نجم يائس لكن الباب ظل مفتوحا، مات الحب وظل الإبداع شاهدا يسجل كل تفاصيل الحالات النفسية التي مر بها الثنائي الأدبي.

غادة السمان الكاتبة اللبنانية التي اخترعت قاموس الحب النسوي، وامتلكت كتاباتها جرأة أنثوية مكثفة في الأسلوب واللغة، عاشت في زمن الحب في الستينيات من القرن الماضي في بيروت، المكان والزمن الذي كان فيهما الكثير من الحب والكثير من الحرب.

وغسان كنفاني الروائي الفلسطيني المناضل الذي ولد عام 1936 مواكبا الثورة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني، والمقاتل الذي لم يطلق رصاصة واحدة في وجه الاحتلال، إنما كانت الكتابة هي بندقيته، وظل من خلالها يدق الخزان حتى استشهاده عام 1972 إثر انفجار سيارة كانت تقله في بيروت.

التقى الاثنان في جامعة دمشق، وكان أول ما قاله لها: "لماذا تبدين كطفلة دخلت المدينة لأول مرة؟" ومنذ ذلك اللقاء دخلت غادة مدينة غسان، وتربعت على عرش قلبه، وتوالت لقاءاتهما في القاهرة.

تراسل الاثنان عشرات الرسائل التي وصلنا منها جزء من رسائل غسان إلى غادة، التي نشرتها في كتاب عام 1993، وأحدثت ضجة كبرى وقتها في الأوساط السياسية والأدبية، واتهمت غادة بأن نشرها لرسائل غسان جزء من المؤامرة على القضية الفلسطينية التي كانت تواجه مأزق أوسلو وقت النشر.

علاقة غادة وغسان لم تكن سرا وقتها، لكن فكرة نشر الرسائل أثارت حفيظة الكثيرين، واعتبر بعض المهتمين بالعمل النضالي الفلسطيني أن الرسائل قتلته مرة ثانية بعد أن قتلته القضية الفلطسطينية في المرة الأولى.

واستنكر بعض السياسيين نشر الرسائل لتشويهها صورة غسان المناضل الذي ظل طوال حياته مدافعا بقلمه عن القضية الفلسطينية، وجاءت الرسائل التي يتذلل فيها غسان لغادة لتغير صورة البطل الرمز في أذهان الناس.

في حين نظر كثير من الصحفيين والكتاب نظرة مختلفة للفكرة، فقد كتب المسرحي اللبناني عصام محفوظ في جريدة النهار الذي لم يجد في الرسائل "ما يستحق الاستنكار والاستهجان وليس في التذلل في حب امرأة ما يلغي صورة المناضل التي لغسان كنفاني لدي الجميع". ويعلق عصام محفوظ متسائلاً"كيف يستطيع أحد النضال دون حب؟ يقول غيفارا إن النضال هو أسلوب حب".

وقال الكثيرون إن الحب فعالية عاطفية لا تتناقض مع فكرة النضال، وإن نجم غسان المناضل سطع أكثر وأكثر بعد نشر الرسائل، فقد كان القارىء العربي يعرف غسان المناضل وصار الآن يعرف غسان العاشق.

أما الذين احتجوا على فكرة نشر الرسائل فقد اعتمدوا على أنها مراسلات ليست لها قيمة إبداعية، وهي كما قالوا لا تتعدى كونها يوميات عادية وثرثرة من رجل عاشق، بدليل أن نساء غسان كنفاني في رواياته لم تكن واحدة منهن تشبه غادة، وإن محاولة المراوحة بين الوطن وبين غادة الحبيبة في الرسائل غير ممكنة، ذلك أن الرسائل لم تحمل ما يشي بعلاقة بينها وبين الوطن.

وهذا حقيقة كلام مبالغ فيه بحق الرسائل، ففي الوقت الذي احتوت فيه الرسائل على رجاء وتوسلات عاشق لحبيبته، فقد تضمنت أيضا الكثير من العبارات والفقرات التي أبدع في كتابتها غسان العاشق وصارت مقتبسات للكثير من العشاق، يتداولونها بينهم.

في إحدى رسائله يقول غسان"أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك، وأستطيع أخذك بمقدار ما ترفضين ذلك، وأنت ترفضين ذلك بمقدار ما تريدين الاحتفاظ بنا معاً، وأنا وأنت نريد أن نظل معاً بمقدار ما يضعنا ذلك في اختصام دموي مع العالم".

كتب لها أيضا"الخنساء لم تصب بالعمى لكثرة ما رثت أخوتها القتلى وبكتهم، كما هو شائع في كتب الأدب، ولكنها رثت قتلاها وبكتهم لأنها كانت عمياء منذ البداية، إنها لم تر في الموت غير الموت، إنها لخطيئة مميتة أن لا نرى في الموت غير الموت"

وقد اعتبرت الأديبة غادة السمان الرسائل الغرامية التي بعث بها إليها غسان إرثا أدبيا وليس شأنا خاصا، ومن تم أشارت في تقديمها للرسائل التي نشرتها دار الطليعة أنها تنشرها بعد عشرين سنة من وفاته بجرأة ودون أي حذف أو تغيير. وهي بهذا تضفي على حياة المناضل غسان كنفاني جانبا لم يكن القراء مطلعين عليه، ومن حقهم معرفته، وقد كثفت الرسائل الضوء على وجهه المناضل ومسحته بمسحة العاشق لتكتمل الصورة.