كاتبة وكاتب.. وثالثهما الحب (1)

أنتِ تحيين فيَّ وأنا أحيا فيك

يحفل الوسط الأدبي بثنائيات أدبية عديدة وعلاقات عاطفية دامت سنوات طويلة، بعضها استمر مراسلات أدبية ووجدانية ولم تتوج بلقاء أبدا، وبعضها انتهى نهاية مأساوية بالانتحار، وكثير من القصص انتهت بالانفصال والغياب والفشل، ولم يكتب النجاح لغالبية هذه العلاقات.

غير أنها وإن فشلت اجتماعيا وعاطفيا لكنها أنتجت مادة إبداعية شغلت النقاد والقراء وكانت تتنوع بين أكثر من جنس أدبي كالمراسلات التي دارت بين مي زيادة وجبران خليل جبران، وبين غادة السمان وغسان كنفاني، وكنتاج شعري كالذي كتبته سيلفيا بلاث وزوجها تيد هيوز، والكتابات الفلسفية التي أنتجتها علاقة جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار.

علاقات عاطفية كثيرة دخلت مساحة التواصل من باب واسع هو الإبداع واستندت إلى جدار الحب، تكسرت المشاعر على ذلك الجدار وتهاوت مثل نجم يائس لكن الباب ظل مفتوحا، مات الحب وظل الإبداع شاهدا يسجل كل تفاصيل الحالات النفسية التي مر بها الثنائي الأدبي.

الثنائي مي زيادة وجبران خليل جبران مثال لعلاقة دامت ما يقارب العشرين عاما حتى وفاة جبران في أميركا، أثرت فن المراسلة الأدبية الوجدانية بما أثار فضول واهتمام الباحثين والقراء والنقاد.

قصة مي زيادة وجبران سيرة عشق طويلة بين مبدعة تقيم في الشرق، وآخر يقيم في الغرب، حيث كانت مي تقيم في القاهرة وجبران يعيش في نيويورك، وهي علاقة حب نادر إن جاز الوصف إذ لم يلتقيا إلا في عالم الخيال والإبداع والفكر، وتجرد حبهما من كل ما هو حسي ومادي، كانت علاقة تمتعت بالروحانيات الخالصة.

بدأت علاقة هذا الثنائي في بداية القرن العشرين وتحديدا في عام 1912 بعد أن نال الاثنان شهرة واسعة، فقد كانت مي معجبة بكتابات جبران وعندما أصدر كتابه"الأجنحة المتكسرة"بعثت له أول رسالة تبدي فيها إعجابها في أسلوب كتابته وفكره النير، وتناقشه في آرائه خاصة فيما يتعلق بالزواج والحب وحرية المرأة، وافقته في آراء وخالفته في أخرى، ومن هنا كانت البداية.

كان جبران في رسائله الأولى متحفظا لفترة ليست بالقصيرة ثم تدرج إلى تودد غير معلن تطور بعد مراسلات قليلة إلى تصريحه بإعجابه بفكر مي النير وآرائها وكتابتها وشخصيتها، ولم يدم الإعجاب طويلا فقد تحول إلى صداقة عميقة، ومن ثم إلى حب جارف أو بالأحرى عشق صوفي لم يعترف بالمكان والبعد والحدود الكثيرة التي حالت دون لقائهما، ففي عام 1919 اعترف جبران بحبه الشديد لمي بقوله" تحيين في وأحيا فيك" ولم تقل مي زيادة عن جبران ولها وعشقا فبعثت إليه" إن قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك يحرسك ويحنو عليك"

ومثل أي علاقة بين اثنين عكرت صفوها الكثير من المشاكل وأغلبها خلافات فكرية عبر عنها جبران بقوله لها في واحدة من رسائل الاعتذار" هي المعاكسات التي تحوّل عسل القلب إلى مرارة" لكنها لم تتطور في يوم إلى قطيعة تامة، فشدة تعلق كل منهما بالآخر كانت تدفعهما إلى التصالح والاستمرار في التراسل الروحي والإبداعي.

واللافت للنظر في مراسلات هذا الثنائي أنهما لم يستعملا كثيرا كلمات مثل: حبيبتي أو حبيبي أو حب، كانا يقولانها بطرق كثيرة ففي إحدى رسائل جبران يقول "لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب، إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ودعواه في المراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللألأ السطحي، لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر".

فيما بعثت إليه تقول "ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي أن القليل من الحب الكثير. الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير. كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري."

وتوالت المراسلات التي عبرت عن حب جارف ومستحيل حتى وفاة جبران في نيويورك بعد عشرين عاما من التواصل الدائم، ولم يعرف حتى الآن فيما إذا كانت عائلة مي تعرف وقتها بالعلاقة، لكن مي كشفت بعد وفاة جبران عن مراسلاتهما الأدبية لقرائها في مقالة أفردتها للحديث عن علاقتهما، فقد أصيبت بانهيار عصبي وكتبت جملتها الموجعة في تلك المقالة "حسنا فعلت بأن رحلت".

توفي جبران عام 1931 في ولاية نيويورك الأميركية، ولم تتزوج مي زيادة على الرغم من كثرة عشاقها وعاشت حياتها منذ أن تعرفت إلى جبران مخلصة له ولحبه، وما أن عرفت بوفاته حتى أصابها المرض واليأس والوحشة من غيره، فسافرت إلى بيروت مصطحبة معها ألم الفقد ورسائل جبران وصورة له كتبت تحتها "هذه مصيبتي منذ أعوام" وعاشت عشر سنوات بعد وفاة جبران، حيث توفيت حزنا وضياعا ووحدة في مستشفى الأمراض النفسية عام 1941.