كاتبات سكندريات يبدعن في القصة القصيرة (3 / 4)

استطاعت أن تتجرد من ذاتيتها تماما

بالانتقال إلى الواقع قليلا، ولمس النفس البشرية والاستماع لشكواها مباشرة، أجد الكاتبة شيرين طلعت تأخذ بيدي لأطوف معها عبر مجموعتها "غرفة 20"، فلا أجدني ألمس أشخاصا وأحداثا بقدر ما لامست أرواحا أدخلتني الكاتبة إلى عوالمها، فوجدتني أنتقل من حال إلى حال، من مكان إلى مكان، بشكل شديد التنوع كتنوع فئات المجتمع، وتنوع حالات النفس البشرية.

تناولت شيرين في مجموعتها قضية العنصرية وما تسببه من آثار نفسية، حياة المطلقة وتأزمها نفسيا وصراعاتها الداخلية، الفقر وكيف يثقب القلوب قبل الأثواب، الإنترنت الذي أصبح مشكلة تؤرق كل بيت يدمن أحد أفراده استخدامه، تسلط الضوء على مشكلة الأقارب الذين يغلب حب المال في قلوبهم على حب الحق والأخوة، تتحدث عن الخيانة الزوجة، عن الحنين إلى الماضي الذي ربما نجد فيه المستراح من الحاضر.

في "غرفة20" استطاعت شيرين بكل اقتدار أن تتجرد من ذاتيتها تماما؛ لتتحدث بلسان الوجدان الجمعي، الملئ بالاستغاثات الصامتة، والأنين الصارخ، أصوات تأتي من هنا وهناك لتشكل عينة واقعية للمجتمع بأفراده الواقعين تحت وطأة الفقر والظلم والضعف.

في تلك المجموعة أستطيع القول إن شيرين كانت بارعة في اقتناص اللحظة والقبض على لب الحدث، تغوص في المجتمع، تتوقف أمام شخوصها، تتقمصهم، تقرأ أفكارهم وتتحدث بلسانهم، فجاء رواتها في الغالب مشاركين، وجاءت أمكنتها مجردة وعامة، باختصار قد تجد نفسك أو قريبا لك بين صفحات المجموعة.

هي تدعوك منذ البداية أن تُحيّد نفسك وتكون غيرك، أن تحاول النظر إلى أشياء قد تظنها غير موجودة أو غير مهمة، أشارت إلى ذلك بعبارة افتتاحية تصدرت المجموعة وهي: ""للغرف أبواب كثيرة ولكننا لا نراها ..." ص 7.

وكتنوع ظروف الحياة ومواقفها تتنوع القصص، وآليات السرد فيها، فاستخدمت الكاتبة التناص والمفارقة، والحكمة الفلسفية، وراعت الوصف الدقيق للتفاصيل، الذي يمنح العمل مصداقيته وواقعيته.

لذلك تجد نفسك بعد كل قصة ساهما أو حزينا أو متأملا، كما أنك ستجد معك بعد الانتهاء من القراءة مجموعة من الأقوال أو فلنقل اقتباسات تمثل خلاصة رؤية وبصيرة، كتلك التي تقول فيها الكاتبة: "بعض العلاقات العابرة قد تلقي في قلوبنا حجرا .. يخرجه من ركوده" ص20، وقولها: "بعض الدوائر تحكم قبضتها على أعناقنا، ولكنا لا نرى أنها غير مكتملة" ص21.

إيمان الزيات
***

ومن النفوس البشرية إلى الواقعية، ننتقل مع الكاتبة إيمان الزيات إلى مجموعتها القصصية "يمر على روحي كدهر"، حيث تلتقط الكاتبة اللحظات الإنسانية التي يمر بها عدد مختلف من البشر، وكذلك المواقف التي تستوقفهم في الحياة، مُمسكة بمرايا مقعرة، تنظر منها إلى تلك المواقف والمشاعر، فلا تنقلها لنا فحسب، ولكن تصور كذلك مردودها وأثرها الذي يبقى في النفس، والذي يكون دائما أكبر بكثير. تمسك بتلك المرايا أيضا لترينا بشكل أوضح مالا نستطيع رؤيته، أو فلنقل مالا نريد رؤيته.

جعلت الكاتبة عنوان مجموعتها متفردا لا تحمله أية قصة في المجموعة، لكنه يمثل المجموعة ككل، وفي كاف التشبيه هنا تكمن المرايا المقعرة التي حوّلت كل حدث يمر علينا وكأنه عُمر كامل بآثاره التي تترسب في عقولنا ونفوسنا.

تحدثت إيمان عن الحب، والخوف، عن أطفال الشوارع، عن الحياة وموقفنا حيالها، عن العجز الذي يصيبنا كثيرا، الصراع النفسي، ومحاولة تصحيح الأوضاع الخاطئة في حياتنا، وإيجابيتنا تجاهها.

في سبيل ذلك كله صاغت إيمان نصوصها في رشاقة شديدة، ولم تؤثر التطويل؛ فجاءت قصصها أحيانا في نصف صفحة وأحيانا في خمس صفحات على الأكثر، معتمدة على الوصف الذي يناسب استبطان النفوس، ونقل الأحداث والمواقف، تدس هنا وهنا بعض المقولات الفكرية التي تحمل صفة الحكمة، مستخدمة الرمز بشكل كبير؛ مُساعدا إياها في الإيحاء دون تصريح، فتصير لعبة كرة القدم رمزا للحياة التي نخوضها، ونحاول الدفاع عنها، كما في قصة "الليبرو"، وتجعل الأسوار رمزا للقيود التي تمنع الحلم من التحرر، والسلالم صعودا وهبوطا رمز الجرأة والتخاذل، وتصير الخطوات – في أكثر من قصة - رمزا للإرادة والحركة، ففي الوقوف عجز وفي الانطلاق حرية، كما في قصص "فساتين أمي"، "الشغف"، "وثقلت خطاها"، و"لقطة"، التي تقول الكاتبة فيها: "ربما خطوة للخلف تحل الأزمة ويعود كل شيء إلى سابق عهده ... خطوة واحدة للخلف ستكون أمنيتها في العام الجديد.." ص 96.

إلى جانب الرمز فإن الكاتبة تعمد إلى استخدام التقابلات الضدية التي كانت مناسبة تماما لنقل الصراع الدائم بين النفس ونفسها وبين الإنسان والواقع الذي يحيط به أو المجتمع أو الظروف التي تعيقه عن استكمال حياته، مُستخدمة لغة موحية، شاعرية أحيانا وتقريرية أحيانا أخرى حسب ما يقتضيه الحال والسياق، فهي أحيانا لغة أسطورية تأتي من عوالم مجهولة، وأحيانا لغة الشارع اليومي.

في النهاية هي مجموعة تخاطب كل الفئات، كلٌ سيجد مبتغاه، وما يمكن أن يؤثر فيه، وباللغة التي تناسبه.

* من أبحاث مؤتمر "إبداعات الشباب السكندري" دورة الأديب الراحل خالد السروجي، مؤتمر اليوم الواحد لفرع ثقافة الإسكندرية 2016.