كاتبات سكندريات يبدعن في القصة القصيرة (1 / 4)

المرأة حينما تسحقها الحياة اليومية

الكتابة فِعلٌ تحرري، تعبيري، تَفَلُّتٌ من سجن الروح والمجتمع، هي تمرد على الذات، ومواجهة معها في آن، مرآة لواقع المجتمعات وسجل توقعات، وسحابة أحلام للمستقبل؛ يدخر فيها الكُتّاب غيث الأمل.

في الإبداع تصير الكلمات وقت المعارك .. سيفا، ووقت الحزنِ .. يدًا تربت على أكتافنا، وتصير – حين يُسجن الآخرون في صمتهم - مفتاحا للبوح.

والإبداع الأدبي إلى جانب أنه درب من الفن؛ فهو تأريخ من جهة ما، ليس للأحداث أو للأشخاص، لكنه سجل لِما تُعبِّر عنه أقلام الأدباء حيال الأحداث والأفكار والمشاعر والمتغيرات التي تواكب زمنا بعينه في مكان بعينه، ثم يأتي بعد الإبداع دور النقد الذي يؤصل ويؤطر، يبرز أجمل الأعمال وأرقاها، يصنع من خلالها إبداعا موازيا، يؤرخ لها ويصنفها ويؤولها.

ولا يمكن بحال من الأحوال ونحن نرصد ونستقرئ واقع الإبداع أن نغض الطرف عن الشباب المبدع، فهم حاملو لواء التغيير، أصحاب الرؤى الجديدة، رواد التمرد على القولبة، وإبداعهم يمثل حجرا يحرك باستمرار الماء الراكد.

لذلك فنحن بصدد الحديث عن إبداع كاتبات القصة السكندريات من الشباب، وهنا نتوقف عند أمر مهم لم يزل مثار خلاف بين الأدباء والنقاد، ألا وهو التفرقة بين إبداع المرأة وإبداع الرجل، وظهور ما يسمى بالكتابة النسوية والبدء برصد سمات بعينها تخص إبداع المرأة عن إبداع الرجل، ولكن في النهاية أرى أن الانتصار يكون للإنسان على اعتبار أن الكتابة فعل إنساني بالأساس، بغض النظر عن جنس كاتبه.

ويبقى مصطلع الكتابة النسوية قادرا على أن يُطلق على كل عمل يتناول المرأة وقضاياها سواء كان صاحبه رجلا أو امرأة، ذلك لأن المرأة المبدعة استطاعت بالفعل أن تتحرر من ذاتيتها، بعد شوط كبير من كتابتها عن همومها الخاصة واضطهادها المجتمعي، وتقييدها من قِبل السطوة ذكورية، وبعدما وجدت متسعا من حرية التعبير، ونالت حقوقا مجتمعية كبيرة، فأثمر ذلك عن تنوعٍ في الموضوعات والتناول، تنوع يتكئ على مرجعيات ثقافية واجتماعية مختلفة، وحدس متباين حيال الأشياء والمُدركات، فأصبح لدينا كم من الإبداع الراقي المتنوع القادر على رسم صورة للواقع وللمجتمع وللنفس البشرية، مواكبا التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية، نستطيع أن نلحظ ذلك من خلال الكتابات الإبداعية على الساحة الأدبية.

نخص بالبحث والرؤية الكتابات القصصية للكاتبات السكندريات من الشباب.

والقصة بشكل عام هي جنس سردي متطور ومتجدد، قادر على استيعاب مختلف الأفكار، لديها المرونة كقالب إبداعي على احتواء تقنيات جديدة في الكتابة، وأنماط لغوية تتناسب مع طبيعة الحدث محور القصة، والقصة القصيرة كونها تحتاج إلى تكثيف السرد، واختيار دقيق للحدث، وتوظيف متقن للشخصيات، وبناء درامي يمتاز بحبكة قادرة على الوصول للحظة التنوير المناسبة، تحتاج مبدعا واعيا يستطيع أن يزن الكلمات بميزان من ذهب، وهذا ما فعلته الكاتبات اللاتي يدور حول أعمالهن البحث الحالي.

بعد استقراء الأعمال الإبداعية للكاتبات السكندريات أستطيع أن أشهد لهن بالتنوع رغم اشتراكهن في بيئة مكانية واحدة، إلا أن ثقافتهن المتباينة طبعت كل مجموعة قصصية بطابع خاص وجعلت لكل مجموعة محورا تدور في فلكه القصص، فكانت تلك المحاور هي:

- رصد معاناة المرأة، مع محاولة التمرد على القهر الذكوري.

- الكتابة الماورائية بحثا عن بدائل للواقع.

- جعل الحالات الشعورية جذوة القيس.

- المجتمعية وكتابة الواقع.

- علاقات الحب وأوجاع القلوب.

بعضهن كتب في أكثر من محور، والبعض آثر نوعا من الوحدة الموضوعية للقصص.

نبدأ بالمحور الأول حيث نجد الكاتبة والصحافية ريم أبوالفضل في مجموعتها "تاء وأخواتها" تحمل لواء المرأة، مُصدِّرة لنا فكرتها منذ العنوان، وماضية بقصصها نحو هدف بعينه، سخَّرت لأجله الإشارات، والرموز، رصدت في قصصها الكثير من المواقف التي تكسر في المرأة أنوثتَها وقلبَها، فتحدثت عن المرأة حينما تسحقها الحياة اليومية وأعباء العمل والبيت والأولاد والزوج الذي لا يفكر إلا في نفسه وشهوته.

تتحدث عن انكسار المرأة التي تصبر مع زوجها فإذا ماتيسرت أحواله تركها لأخرى. المرأة تقتلها نمطية الحياة التي فرضها الزوج ليأتي القدر فيتم القهر بحرمانها من الأطفال. البنت التي تعيش الفقر في غرفة تجمعها بأخوتها وأمها وزوج أمها الذي يتحرش بها ولا حيلة لها إلا الصمت. المرأة التي تبيع نفسها لصاحب المحل الذي تعمل به لتجري لابنها اليتيم عملية جراحية. المرأة التي تنتظر الحب الذي سافر مع صاحبه لجلب المال ولم يعد.

تقول مثلا في قصة "ذاكرة سيئة السمعة" عن حال بطلة القصة: "مرت مرحلة طفولتك قاسية في بيت لم تشعري فيه بالدفء، أب متسلط، ترينه أشد قسوة وتسلطا من "سي السيد"، وأم مقهورة كنت ترينها ضعيفة لا تقوى على الدفاع عن نفسها وعن بناتها. لم تحظي بطفولة سعيدة" ص45.

لتكون تلك الفتاة نموذجا للمرأة المقهورة عند ريم، ويكون المجتمع بأنظمته المختلة رمزا للقهر مثلما جسدت ذلك في قصتها "كامل الأوصاف" قائلة: "أصبحت الحارة عاقرا، تخرج منها النعوش، ولا تحمل فيها البطون.. انتظرت نسلا لم يأت بعد، ولم يعد هناك أولاد يلعبون تحت شرفتي ... اقتصرت الحارة على عوانس يطللن من الشرفات.. ودراويش يرتادون المقام.. وشباب لم نرهم إلا شيبة" ص26.

وعلى الجانب الآخر تحاول رصد بعض محاولات تمرد المرأة على قيودها وعلى مجتمعها سواء كانت تلك القيود حقيقية أم لا. داخلية فرضتها قناعاتها أم خارجية فرضها المجتمع والدين والتقاليد، كما في قصص "ذاكرة سيئة السمعة"، "الرجل ذو الأزرار"، "شفاه ملونة"، "نصف لعنة"، و"علبة ثقاب".

وعلى مدار القصص التي حاولت فيها المرأة البطلة أن تتمرد؛ كانت محاولاتها تبوء بالفشل، أو تقف عاجزة بعد الهدم عن أن تبني الحياة كما كانت تتمنى.

وهذا المحتوى الذي قدمته ريم استطاعت أن تنتقي له الثوب الذي يليق به، فجاءت لغتها متناغمة مع الشخصيات، متعددة المستويات، وأقرب للواقعية منها إلى الشاعرية.

* من أبحاث مؤتمر "إبداعات الشباب السكندري" دورة الأديب الراحل خالد السروجي، مؤتمر اليوم الواحد لفرع ثقافة الإسكندرية 2016.