كأس نزار قباني

نص قصصي: عبده حقي
لم أجرؤ على البوح

إهدئي واستقري في سرك الدفين .. أنت لي .. ولن أترك يدا ثانية إلاّ يدي ترفعك إلى شفاه الحقيقة.
أو.. قفي في قرارة الصمت، مثل لقلاق نيسان على ساق واحدة ورغم هذا فهو لا يتعب من ملاحقة الآفاق. دائما على ساق واحدة، ومع ذلك أيضا لا يفكر في الرحيل عن قمة جبل التأملات.
ذكراك. أجل ما فتئت أذكر يدها ممدودة كالطعنة المشتهاة. كفنن زهر الجلنار. وأنت بين أناملها ملآنة بنكتار العشق القباني لمّا كان فصل العطش البيدائي يهدر في باطني كقطار الفحم الحجري.
ناديتك عبر نافذة المكتبة العتيقة أن هاتها فكل جسدي تفاصيل ظمئ راسخ كصخرة جاثمة على أنفاسي الحرىّ.
قلبت ناظري في كل الأمداء فلم أجدك. تسمعت لخطاك .. كانت تأتيني خفيضة من خلف المكتبة العتيقة، وبعد لحظة هللت علي بقامتك الغنجية ومددت إلي كأس الشاعر .. كأسنا القديمة ذات الساق الواحدة؛ وتحدثنا تحت إفريز المكتبة عن أشيائنا الصغرى وقضايانا الكبرى .. قضايا العشق العربي المنقوع في دماء الاحتلالات .. وقلنا لما يكون قدر كأسنا أن تحرس عشقنا على ساق واحدة ... وفكرنا كثيرا ونقبنا في ذخائر مكتبتنا العتيقة وكل كتب التراث الإغريقي عن اسم هذا (الديزاينري) العبقري الذي أغرق عشقنا العربي في قعر هذه الكأس العرجاء ومات!! ثم عدنا من حيث بدأنا حديثنا المسائي عن السيدة بلقيس التي اغتالتها أشعار زوجها نزارقباني في بيروت نهارا وأمام عدسات الصحفيين.
لم أجرؤ يوما على البوح بسرها السحيق .. الدفين .. كانت ملآنة أم فارغة .. غافية أم يقظانة منتصبة على ساقها بين دواوين نزار قباني، فأنا لا أرشف منها غير ما أعبّه من سرها اللذيذ.. القديم.
حدث ذلك سنة 1988، كنت في ألمانيا دسستها في حافظتي مثل قنديل أخضر. استقليت قطار(الغزالة) الذي رسم على جؤجؤه غزالة سريالية، بقرن واحد يشبه خنجر صنعاء أو مراكش أو مسقط وأنصاف قوائم ولونها هو أقرب إلى لون أتانة مقالع الرمل منه إلى لون غزلان المروج.
ملحوظة: أخبرني الجابي أن هذا الرسم هو من شغل فنان إحدى ورشات المطالة ومن المؤكد أن هذا الفنان مثله مثل الكثير من الفنانين العرب لا يفرقون بين لمسة الفرشاة وضربة المكنسة.
في القطار ذاك وعلى طول الجدار العازل بين (بون) و(برلين) أخرجت كأسي ذات الساق الواحدة.
أفرغت من التيرموسة جرعة معتقة من قهوة (الأرابيكا) الأصيلة وطفقت أرشف وأتلمض بانتشاء مصرفا ناظري عن عيون الرقباء الزرقاء حتى أنني لم أعبء بطلقات نظراتهم على ظهري والغزالة السريالية تخترق بنا الغابات والمسارح الخضراء التي لا حدود لها.
وأمس الثلاثاء 3 أكتوبر 2006 كنت كما هي العادة في وحدتي اللذيذة وعلى الساعة التاسعة هنا بتوقيت لندن طرحت القلم جانبا وقلت في نفسي ما الداعي لكتابة هذه القصة الرديئة بعد سنوات على مصرع بلقيس تحت وابل من كلاشنيكوف قصائد زوجها نزارقباني؟
شغلت التلفاز على دراما أخرى من برنامج الإتجاه المعاكس، وبينما كان فيصل القاسم يسعل ويستعطف ضيفيه العربيين المتعاكسين لالتزام الهدوء: (بس لحظة من فضلك دكتور!! ) ثم يدير وجهه للجهة اليسرى (بس لحظة من فضلك دكتور!!) ألفيت قميصي مرقطا ببقع دم حلاقتي الأخيرة وبقع غازوال على الياقة وكان طنين وجلبة ما تصطخبان
في الجهة الشرقية من رأسي، أقفلت التلفاز وأشفقت على الدكتور فيصل القاسم وتخيلته بعد 500 سنة حاكما للولايات المتحدة العربية التي لن يبقى فيها من الجغرافية العربية سوى خطوط الطول والعرض.
ومن نافذتي ألفيت الشارع فارغا وتساءلت عن سر اختفاء الناس الجماعي وتذكرت أن اتجاها معاكسا آخر تدور رحاه ذلك المساء بين فريقي (برشلونة) و(ريال مادريد) حول من سيفوز بكأس الملك. أما أنا فقد عدت إلى كأس نزار قباني، وجدتها واقفة بانتظاري على ساق واحدة بين أوراق مسودات قصصي الرديئة والفاشلة. عبده حقي