قُلْ لي كم لدينا من الديمقراطيين أقول لك كم لدينا من الديمقراطية!

لماذا لا يأخذ مجتمعنا بالجوهري والأساسي من الخيار الديمقراطي، في تطوره السياسي والاجتماعي والثقافي، كما أخذت به، من قبل، المجتمعات الغربية؟ إذا ما أردنا إجابة تنطوي على نصف الحقيقة فحسب فإننا يمكن أن نفسِّر ما نعانيه من فقر ديمقراطي مدقع على أنه نتاج مصالح فئوية ضيقة لمن يتولى أمر حُكمنا، فالحكومة، ومهما تظاهرت بالحرص على نقل مجتمعنا إلى الحياة الديمقراطية، بأوجهها كافة أو ببعض أوجهها، هي التي تقف بطرائق وأساليب شتى ضد التطور الديمقراطي لمجتمعنا. أما لو أردنا الحقيقة كاملة في إجابتنا عن ذاك السؤال لقلنا إن مجتمعنا ذاته قد جُبِل على كل ما هو منافٍ للديمقراطية من قيم ومبادئ وطرائق عيش وتفكير، فالمعجزة بعينها أن تبتني مجتمعا ديمقراطيا حرا لا وجود فيه يُذْكَر للديمقراطيين والأحرار، فابتناء مجتمع كهذا إنما يشبه ابتناء مجتمع إسلامي في اليابان مثلا!
إنها الحقيقة المرة الأولى أن نقول إن عدد الديمقراطيين والأحرار في مجتمعنا من الضآلة بمكان؛ ولن يكون ممكنا، بالتالي، أن تغرس الديمقراطية حيث لا وجود إلا لعدد ضئيل جدا من الديمقراطيين الحقيقيين.
ولا شك في أن العواقب المترتبة على إطاحة نظام حكم عربي ديكتاتوري واستبدادي ستضطرنا إلى الإقرار بتلك الحقيقة، فالمجتمع الذي تحرَّر على حين غرة من قبضة نظام حكم كهذا يمكن أن تتفجر تناقضاته الداخلية، التي ظلت زمنا طويلا مسيطَرا عليه بقوى القمع، فيقع، أو يوقع نفسه، في حرب الكل ضد الكل، التي فيها يتحول "الآخر"، بكل أشكاله وصوره، إلى عدو لدود. أما إذا دُعي هذا المجتمع إلى الأخذ بالخيار الانتخابي، الذي تشبه علاقته بالديمقراطية علاقة الشكل بالمضمون، فقد تكون العاقبة هي "الفوضى البناءة" في مثالها العراقي، وجعل "الديمقراطية" طريقا إلى هيمنة إمبريالية، وإلى إظهار وتعزيز كل عصبية منافية، قلبا وقالبا، للديمقراطية، وممزِّقة لوحدة المجتمع.
الديمقراطية يمكن ويجب أن تكون "الحل"؛ ولكنها لن تكون كذلك إلا إذا استوفى قيامها شرطه الأولي، وهو "المرحلة الانتقالية"، التي فيها يصبح ممكنا زيادة عدد الديمقراطيين في المجتمع، وتغليب الميل الديمقراطي لديه على ما عداه من ميول. في هذه المرحلة فحسب، تتهيأ للمجتمع أسباب التطور الديمقراطي، فيتغلَّب على كل انقسام أو صراع داخلي يتعارض بطبيعته ومنطقه ووسائله وأساليبه مع قيم ومبادئ الديمقراطية، ولا يذهب إلى انتخابات عامة قبل إنجازه تطورا ديمقراطيا يسمح لتلك الانتخابات بأن تأتي بنتائج تأتي بمزيد من التطور الديمقراطي.
الديمقراطية تحتاج إلى مرحلة انتقالية تتحول فيها، مع قيمها ومبادئها الأساسية، إلى نمط حياة وتفكير لدى القسم الأكبر من المواطنين، وإلى "مولِّد" لـ "الآخر" بكل أشكاله وصوره، وإلى "منظِّم" للعلاقة معه.
في المرحلة الانتقالية، يختبر ويمارس المواطنون، أفرادا وجماعات، حقوقهم الديمقراطية كافة، وتُرْفع القيود عن "السؤال" و"الجواب"، فلا سؤال، أو جوابا، محرَّما؛ وتُرْفع، أيضا، عن الحق في حرية التعبير عن الرأي في أي شأن ومجال، وعن الحق في نشر الرأي الآخر، واجتذاب العقول والقلوب إليه. الديمقراطية هي "الحل"؛ لأنها القوة التي تؤسس لمجتمع تجتمع فيه مقدرة التفسير ومقدرة التغيير. وليس من تغيير شرعي سوى التغيير الذي تأتي به الوسائل والأساليب الديمقراطية، والذي لا يذهب بالديمقراطية ذاتها، فالديمقراطية هي وسيلة التغيير وهدفه في الوقت نفسه. جواد البشيتي