قيم الجمهورية تحت مجهر انتخابات الرئاسة بفرنسا

لتتذكروا قيم الجمهورية

استفاقت العاصمة الفرنسية باريس عشية الصمت الانتخابي على وقع مفاجأة لم تكن في الحسبان، حيث تمكن احد عشر من نشطاء مجموعة "غرين بيس" أو "السلام الأخضر" من التسلل فجرا إلى موقع برج إيفل، الموقع الأشهر في العاصمة الفرنسية والأكثر حراسة، ونشر لافتة عملاقة تحمل شعار الجمهورية الفرنسية "حرية عدالة إخوة"، وذلك برغم حالة الطوارئ و برغم الحراسة الأمنية التي يخضع لها الموقع منذ أول عملية إرهابية استهدفت فرنسا.

وبرر النشطاء الخطوة بأنها لأجل حث الناخبين لاسيما المترددين منهم على التصدي للمخاطر التي تستهدف قيم ومبادئ الجمهورية والتصويت بكثافة لقطع الطريق أمام مرشحة الجبهة الوطنية اليمينية من الوصول إلى الاليزيه. وكشف النشطاء لاحقا ردا على الانتقادات التي استهدفت القوات الأمنية التي فشلت في استباق عملية التسلل التي أقدموا عليها بأن رجال الأمن كانوا على الموعد ولكنهم تفهموا الهدف من الخطوة التي أقدموا عليها.

وقبل ساعات عن موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية في جولتها الثانية المقررة في السابع ماي أيار الجاري، حافظ الشارع الأشهر في فرنسا على حالة الازدحام بالمارة والسياح، رغم العملية الإرهابية التي نفذت هناك وذهب ضحيتها عون أمن وأصيب إثنان آخران. ووحدها باقات الورد المكدسة على موقع الحادثة الإرهابية تذكر بما حدث.

كما لا يبدو الشارع الفرنسي أنه على موعد مع حدث انتخابي يشد كل أنظار العالم باعتبار أنه سيحدد توجهات وخيارات القوة الاقتصادية والعسكرية الخامسة في العالم وموقعها مستقبلا في الاتحاد الأوروبي وفي التحالفات الدولية، ولا سيما وأن السباق يجري بين متنافسين من خارج الأحزاب التقليدية في البلاد.

فلا وجود لصور المترشحين الذين يخوضان المحطة الأخيرة من سباق الحملة الانتخابية غير العادية التي عاشت على وقعها فرنسا طوال الأسابيع الماضية والمختلفة عن سابقاتها. ففي هذه المرة تمت إزاحة تياران سياسيان محوريان في فرنسا لعقود ووضعت في المواجهة الأخيرة مرشح وسطي دون ماضي سياسي حافل أو معروف عدا توليه حقيبة وزارة الاقتصاد ونعني ايمانويل ماكرون المرشح الأوفر حظا لدخول الإليزيه، ومرشحة اليمين المتطرف التي أزاحت والدها من رئاسة الجبهة الوطنية ونعني مارين لوبن.

ورغم غياب الشعارات واللافتات في الساحات العامة والطرقات أو على واجهات المحلات ووسائل النقل العمومي، إلا أن المعركة الانتخابية تزداد شراسة فيما بقي من عمرها لا سيما على المنابر الإعلامية والصحف اليومية ومنها "لوموند" و"لوفيغارو" والتي بدت من خلال عناوينها وكأنها تعتبر فوز ماكرون أمر محسوم.

ويسعى كل طرف خلال ما تبقى من الوقت لاستقطاب أصوات المترددين الذين يقدرون بين 22 إلى 27 بالمائة من أصوات الناخبين الذين بإمكانهم إحداث مفاجأة في النتائج .

وسيكون الساكن الجديد للإليزيه خلفا للرئيس فرانسوا هولاند الذي سيسجل التاريخ أنه أول رئيس متخل يرفض خوض السباق للفوز بولاية ثانية، أمام مهمة صعبة ولن تكون الطريق معبدة أمامه في ظل التحديات الكبرى المطروحة في البلاد على غرار الحرب على الإرهاب و قضايا الاقتصاد والبطالة فضلا عن الانقسامات الحاصلة في فرنسا والتي ستحتاج إلى مجهودا كبيرا وقدرة هائلة على امتصاص الغضب والاحتقان الذين أخذا نسقا تصاعديا بالبلاد خاصة في السنتين الأخيرتين.

وان بدت النتائج شبه محسومة لصالح ماكرون بعد المناظرة التلفزية التي جمعت المترشحين ماكرون لوبن مساء الأربعاء، إلا مفاجأة على طريقة الانتخابات الأميركية ليست بالأمر المستحيل وإن كانت اغلب الأرقام منحت ماكرون تقدما واضحا على منافسته التي اختارت طريقة الهجوم لإضعاف منافسها.

ورغم ترجيح استطلاعات الرأي لكفة ماكرون بعد آخر مناظرة تلفزية بين المترشحين، إلا أن هناك حالة استياء عميقة سادت الشارع الفرنسي الذي استنكر طبيعة الحوار الذي وصف بأنه اتسم بحدة غير مألوفة وانحصر في دائرة تبادل الهجوم أكثر من التركيز على البرامج الانتخابية.

وستسجل الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017 أنها شهدت كل الاستثناءات والتناقضات وسجلت غيابا لأكبر الأحزاب التقليدية وتقدما مثيرا لليمين المتطرف كما لليسار المتطرف وكلاهما يقطع الطريق باتجاه تعزيز مواقعه في السباقات القادمة.

ويبدو أن الصعود المفاجئ لليمين المتطرف خاصة هو ما دفع بمؤسسات المجتمع المدني والنشطاء في فرنسا لحشد صفوفهم وراء المرشح المستقل ايمانويل ماكرون، ولعل ونشر اللافتة العملاقة التي تحمل شعار الجمهورية الفرنسية "حرية عدالة إخوة" في موقع برج إيفل احد أوجه هذه التحركات التي ازدادت مع اقتراب موعد الحسم. وهي تحركات تهدف أساسا إلى تذكير الفرنسيين بقيمهم وأفكارهم المبينة على التعدد وقبول الاختلاف وغيرها من الأفكار الموروث عن عصر التنوير.