قيادات في تيه سياسي!

بقلم: جواد البشيتي

من ألفباء العمل السياسي أن يعرف السياسي، أو الذي في موقع القيادة السياسية، ماذا يريد، والهدف النهائي الذي من أجله يعمل ويتحرَّك، وكيف يتوصَّل إلى تحقيق ما يريد، وأن يجيد لعبة الانتقال من مسار إلى مسار من غير أن يضل الطريق إلى الهدف النهائي، والتي، أي الطريق، في عالم السياسة الواقعي والحقيقي لن تكون الأقصر إلاَّ إذا قلَّت استقامتها، وزاد انحناؤها.

إذا اتَّخَذنا من هذا الذي قلنا في اختصار وإيجاز مقياساً نقيس به منسوب السياسة في القيادات السياسية الفلسطينية والعربية التي ما زالت تُحْكم قبضتها على القرار السياسي فإنَّنا لن نحيد عن الحقيقة الموضوعية قيد أنملة إذا ما قلنا إنَّ هذا المنسوب قد قلَّ وهبط وتراجع بما يكفي لاستقالة، أو إقالة، تلك القيادات من عالم السياسة.

إنَّ أحداً من تلك القيادات، التي تَكْثُر وتتكاثر وتسود، عادةً، في مراحل وفترات الركود التاريخي ـ السياسي، والتي قادت وانقادت إلى ما نحن فيه الآن من تيه سياسي لم نرَ له مثيلاً منذ زمن طويل، لا يملك من قوَّة البصر والبصيرة ما يُمكِّنه من أن يرى (قبل ومن أجل أن نرى من خلاله) أين يقف الآن، أو إلى أين يتَّجِه في سيره إذا ما كان سائراً، أو إذا ما كان هو نفسه في مسارٍ سياسي حقيقي يسير فيه.

وإنِّي لأرى أنَّ الرئيس أوباما هو الذي يتحمَّل المسؤولية الأولى والكبرى عمَّا أصاب القيادات الفلسطينية والعربية من ضلال وضياع، فهو توهَّم، ثمَّ أوْهَمها، ثمَّ غادر مملكة الأوهام عائداً (عودة المغلوب على أمره) إلى أرض الواقع، بحقائقه التي تسر إسرائيل وحكومتها التي يرأسها نتنياهو، وتغيظ الفلسطينيين والعرب.

لقد برز الرئيس أوباما لنا، إذ دخل البيت الأبيض، في ثياب المصلح الذي سيُصلِح سريعاً ما أفسده سلفه الرئيس بوش على صعيد العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم العربي والإسلامي، وسيُرينا عمَّا قريب ثمار جهوده الطيِّبة في المسألة الفلسطينية، فهو بدا عازماً على إكراه حكومة نتنياهو على وَقْف كل نشاط استيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وعلى التقدُّم بمقترحات جديدة جيِّدة، تُطْلِق مفاوضات جديدة جيِّدة، تتمخَّض سريعاً، أي بعد سنة أو سنتين من بدئها، عن اتفاقية، يتحقَّق بموجبها "حلُّ الدولتين"، الذي أظهر سيد البيت الأبيض الجديد من الاستمساك به ما حَمَل القيادات الفلسطينية والعربية على إبداء مزيد من العزم على أن تفعل كل ما من شأنه أن يشدَّ أزره في الصراع الذي سينشب حتماً، وعمَّا قريب، بين إدارته وحكومة نتنياهو.

وعَظُم تفاؤل الفلسطينيين والعرب إذ أسرع الرئيس أوباما في إيفاد مبعوثه ميتشل إلى إسرائيل لإقناع حكومتها بأهمية وضرورة الوقف التام للنشاط الاستيطاني..

ثمَّ انقلبت الأمور رأساً على عقب، فالرئيس أوباما توصَّل أخيراً إلى أنَّ إرضاء أو استرضاء حكومة نتنياهو خير وأبقى.

وانتهى مسار أوباما إلى غير ما أراد، إذا ما صدَّقْنا أنَّه كان صادقاً مخلصاً في ما أراد، أو في ما أظهر من إرادة؛ ولقد انتهى إلى "اللقاء الثلاثي" في نيويورك، وكأنَّ جبل أوباما تمخَّض فولد فأراً، وإلى إطلاق الاستيطان، وتطليق المفاوضات، وإلباس نتنياهو لبوس المنتصِر.

ثمَّ توقَّف السير في مسار غولدستون؛ ثمَّ توقَّف السير في مسار فياض، أي في مسار بناء الدولة الفلسطينية في كنف الاحتلال الإسرائيلي، وضدَّه، فإذا اسْتُكْمِل البناء في سنتين، لم تنتهيا بعد، أُعْلِن قيامها رغماً عن إسرائيل، وبلا مفاوضات، وبلا اتفاق، معها.

ثمَّ كان مسار عباس المتشعِّب، فرئيس السلطة الفلسطينية قرَّر ألاَّ يكون هو رئيسها المقبل المنتخَب، على أن يظل محتفظاً بمنصبي رئيس "المنظمة" ورئيس "فتح"؛ وتقرَّر موعدٌ لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الجديدة؛ ثمَّ تقرَّر تأجيل إجرائها إلى أجل غير مسمَّى (من الوجهة العملية).
ثمَّ تقرَّر أن يبقى عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية إلى أن تجرى الانتخابات المؤجَّلة إلى أجل غير مسمَّى (من الوجهة العملية).

ثمَّ أعلن عباس أنْ لا عودة إلى المفاوضات (العبثية) مؤكِّداً في الوقت نفسه استمرار التزامه نبذ خيار "العودة إلى العنف"؛ ثمَّ بدأ سعياً لحشد التأييد العربي والدولي لاستصدار مجلس الأمن قراراً جديداً يعترف بموجبه بقيام دولة فلسطينية، ويلتزم (بموجبه أيضاً) العمل من أجل جعلها حقيقة واقعة؛ ثمَّ توقَّف السير في هذا المسار.

وتوقَّف السير أيضاً في مسار المصالحة التي ترعاها مصر، فحركة "حماس" لم تقبل رسمياً بعد، بحسب الرواية الرسمية المصرية، مقترحات القاهرة لاتمام المصالحة بينها وبين حركة "فتح".

وظلَّت "حماس" مستمسكة بخيار التوقُّف عن السير في مسار المقاومة العسكرية، وبخيار التوقُّف عن السير في أي مسارٍ غير المسار الذي تسير فيه الأمور حتى الآن في قطاع غزة، وكأنَّها في ميل إلى مقاومة كل تغيير في الحال التي هي عليها الآن.

أمَّا الدول العربية فقد توقَّفت عن السير في مسار مبادرتها الشهيرة، أكان هذا السير إلى الأمام أم إلى الوراء، وكأنَّ حقائق الواقع تخاطب الدول العربية قائلةً إنَّكم لا تملكون من خيار إلاَّ خيار بقاء المبادرة على الطاولة إلى الأبد.

إنَّه التيه السياسي بعينه أن تَسْتَغْلِق على القيادات الفلسطينية والعربية معرفة أين هي الآن، وهل تسير، وفي أي اتِّجاه تسير، وماذا تنتظر إذا ما كانت تنتظر شيئاً؛ فما أصعب أن تَجِد تلك القيادات نفسها بين عشية وضحاها في عالم الحقائق العارية من كل وهم، وكأنَّ العيش في الأوهام استكثروه عليها! جواد البشيتي