قواعد جديدة للعبة اللبنانية في محيط متغير

بقلم: محمد جمال باروت

يبدو أن التوجه إلى إعادة بناء قواعد اللعبة اللبنانية قد بات هو العنوان الأساسي في مرحلة ما بعد "فشل" مؤتمر الحوار الوطني اللبناني، وإذا ما استمر الوضع الراهن على ما هو عليه، فإن جلسة ذلك المؤتمر الذي هو اليوم في وضعية" إجازة" قد لا تنعقد في 28 نيسان/أبريل القادم أبداً، أو إنها قد تنعقد ليتم تأجيلها إلى حينٍ آخر، أو قد تنعقد لكن من دون القدرة على التوصل إلى توافق مشترك بين اللاعبين اللبنانيين. وهو ما يعني في كل الأحوال أن الأزمة ستبقى مفتوحةً، ما لم تتحقق" تسوية" سورية-لبنانية حول ذلك.
يمكن القول إن السير في اتجاه هذه" التسوية" - ولكل تسوية ثمن - يمثل أول تغير ملموسٍ في قواعد اللعبة، ويفرض على جميع اللاعبين المحليين إعادة ترتيب أوراقهم بما يتسق مع توجهاته التي دفع باتجاهها اللاعبون الإقليميون والدوليون "الكبار"، في محيطٍ إقليميٍ متغير بشدةٍ، وتتجه فيه قواعد اللعبة الجيو-استراتيجية العامة في المنطقة بتأثير الوضع العراقي بدورها إلى إعادة ترتيب أوزان القوة والقدرات فيها. ويعيد هذا التغير الملموس ترتيب الأولويات في اللعبة القديمة التي استنفدت على ما يبدو وظائفها الأساسية، من ترحيل لحود أولاً إلى تسوية ثنائية لبنانية- سورية مغطاة إقليمياً واستطراداً دولياً، بما يحتمله ذلك في واقع الأمر من إرجاء شعار قوى 14 مارس" لحود أولاً" إلى إشعارٍ آخر، وقد لا يكون قبل الخريف المقبل في أحسن التفاؤلات.
ويبدو حتى الآن من دون التهور بأحكام قاطعة في محيط متغير بشدة أن آلية الدفع الدولي لقوى 14 آذار/مارس في المضي بالتخلص من لحود قد فترت، وأصيبت بنوعٍ من الوهن، إزاء استحالة إقالة لحود بالطرق الدستورية، أو بطرق الضغط الشعبي الذي يمكن أن يقابله ضغط مماثل يعقد الأزمة بدلاً من أن يفتح الباب لحلها، في الوقت نفسه الذي أعطى فيه ذلك الدفع الضوء الأخضر لوضع مؤتمر بيروت الخاص بالإصلاحات الاقتصادية في سكة العمل، وهو ما يتطلب "استقراراً" وليس أزمةً مفتوحةً.
وينطوي ذلك في بعض مؤشراته على تباينٍ في إعادة ترتيب الأولويات بين قوى 14 آذار/مارس التي وجهت مركز ثقلها للتخلص من لحود وبين المظلة الوصائية الدولية التي يبدو أن ذلك لم يعد من أولوياتها، بحكم رؤيتها للمسألة اللبنانية في سياق اللوحة الجيو-بوليتكية الأشمل التي تحدد أولويات مصالحها. بل إن مؤشرات عديدة تدل على أن ما يسمى بـ"التدويل" قد "لزّم" جزءاً أساسياً من وظائفه لحل "التعريب"، أو أنه سيعمل من خلاله، وهو ما برزت بعض إشاراته في تجاهل لارسن في الفترة الأخيرة للوضع الرئاسي اللبناني، بما يحتمله ذلك من عدم إيراده في تقريره المرتقب بأكثر من حدود المعلومات. وفي ذلك لا يبدو أبداً أن التخلص من لحود هو من أولويات أو حتى من أجندة التحرك العربي المرتقب، وهذا ما عبرت عنه مسبقاً رسالة "الاهتمام" بلحود على حساب السنيورة في قمة الخرطوم، وما يتم التصريح به في الكواليس بألا تنتظر قوى 14 مارس/ مارس من ذلك التحرك اهتماماً بالموضوع الرئاسي المعتبر "شأناً لبنانياً داخلياً". وفي هذا السياق فإن لحود الذي حقق بمعايير استقطابات مراكز القوة في المسرح الداخلي للعبة اللبنانية حضوراً مبادراً في قمة الخرطوم، وتمكن من حشر قوى 14 آذار/ مارس وتحديداً السنيورة في خندق التبرير الاعتذاري، مستمر بممارسة عمله كرئيس للجمهورية، ويترأس جلسات مجلس الوزراء وفق صلاحياته الدستورية، وكأنه لم يحدث شيء، وكأن ولايته لم تعد مطروحةً على الطاولة. فالفريقان متعادلان، فهل ستكون المساكنة مع رئيس الجمهورية هي المحطة الاضطرارية في سياق الاندفاع نحو مؤتمر بيروت؟
لا مفر هنا إزاء التغير الجاري في قواعد اللعبة وموازين قواها واتجاهاتها من أن يشتد الفرز في قوى 14 آذار/مارس، ولعل معالم هذا الفرز قد صدرت إشاراتها عن تيار المستقبل قبل غيره، وهي إشارات تنبئ عن شروع تيار المستقبل في بدء النزول من أعلى الشجرة، وإعادة ترتيب الأوراق في سياق قواعد جديدة للعبة. ومن هنا وجد تيار المستقبل نفسه في سياق ذلك محشوراً في السير في الطريق الذي حاول جاهداً بالرهان على "الهراوة" الدولية ضد دمشق أن يتفاداه، وهو السير في طريق الحوار مع دمشق. ومن هنا فإنه يحاول الشروع بتعريف نفسه كتيار وسطي بين قوى 14 آذار/مارس، مع أن هذه المحاولة ما زالت في تلمساتها الأولى، بما يعنيه ذلك من تمايزه في الظاهر على الأقل عن حليفه وليد جنبلاط، بشكل يتخطى عملية توزيع الأدوار، وبالتالي أن ينزل تدريجياً من أعلى الشجرة، وهو ما استلزم من الشيخ سعد الحريري رئيس تيار المستقبل تقديم مراجعةٍ اعتذاريةٍ عن موقف إطلاق النار على المبادرة العربية، وإيفاده رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة في اللحظة الأخيرة إلى قمة الخرطوم على أساس "ترتيب" لقاء له مع الرئيس السوري بشار الأسد يتم إخراجه في شكل "مصادفة"، ويمهد لزيارته دمشق، والحصول على موافقتها على المقررات الأخيرة لمؤتمر الحوار الوطني، والتي تشتمل كما هو معروف على أربعة بنود رئيسية: إجراءات لبناء الثقة، ترسيم الحدود في شبعا، السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وتبادل التمثيل الدبلوماسي، وبما في ذلك ضمناً موضوع الاتفاقات والمفقودين اللبنانيين. جاءت مصافحة "المصادفة" وربما اللقاء، بين رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة والرئيس السوري بشار الأسد في ردهات قمة الخرطوم في هذا السياق، وحاول السنيورة أن يعززها رسمياً و"إيجابياً" بأن يطلب تنظيمها ومناقشة جدول أعمالها من خلال نصري خوري رئيس المجلس الأعلى اللبناني - السوري الذي يمثل الإطار المؤسسي الأعلى بين البلدين تنسيق ذلك، لكن الرد السوري نقل إليه رسمياً في النهاية بأن زيارته "قيد الدرس"، وهو تعبير دبلوماسي مهذب لعدم الترحيب به في هذه الفترة على الأقل كممثلٍ لبرنامج قوى 14 آذار/مارس، يرحب بالسنيورة شخصياً لكنه يبرز أمامه البطاقة الصفراء بإخراجه من اللعبة الجديدة، التي هناك دخان أبيض ما على أنه يمكن أن تتم من خلال الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة.
بكلامٍ آخر لا تجد دمشق نفسها مضطرةً لقبول استعجال السنيورة زيارة دمشق ومناقشة جدول الأعمال الذي اقترحه، بل وإنها إزاء "ارتيابها" بما تعتبره التزامات "خفية" للسنيورة يغطيها بنبرة الحرص على الحوار مع دمشق، قد سحبت المرونة السابقة التي أبدتها، وردت على هذا الجدول، ووضعت خطاً أحمر فيما يتعلق بترسيم الحدود في شبعا، واعتبرت أن نوع العلاقة بين البلدين هو أقوى من العلاقات الدبلوماسية، معتبرةً أن"تنازلاتها" في شأن المبادرة العربية السابقة قد ذهبت مع إطلاق قوى 14 آذار/مارس النار عليها.
يكشف ذلك عن أن دمشق تعيد بدورها ترتيب أوراقها في سياق التبدلات الجارية في اللعبة الجيو-بوليتكية في المنطقة، فهي تتعامل مع الموضوع اللبناني من موقع "الثبات" الذي "يجمّد" مؤتمر الحوار الوطني عند ما وصل إليه مما تعتبره قوى 14 آذار/مارس "فخاً" لها تم نصبه بعناية، في حين أنها ربما ترى أن حدة الضغط الدولي ضدها قد فترت بتأثير تركز الأولويات الأمريكية على العراق، وعلى الملف النووي الإيراني، بينما تحاول أن تتحرك في الإطار الإقليمي من موقع المبادرة التي تستثمر المتغيرات الجارية لتحسين مواقعها وقدراتها في قواعد اللعبة الجيو-بوليتكية الجارية على مستوى المنطقة، والتي لا تعتبر اللعبة اللبنانية في منظورها إلا مسرحاً داخلياً فرعياً من مسارحها يتوقف العصف به على العصف باللعبة العامة. ولا تفعل الدبلوماسية السورية في ذلك سوى تأكيد قواعد عملها في الاستفادة من المتغيرات الإقليمية، ومن هنا فإنها نصحت وفق بعض المتابعات حكومة حماس بأن تخرج من مأزق الضغط عليها بالاعتراف بإسرائيل بالالتزام بمبادرة بيروت العربية التي تحررها من كثير من العوائق من دون أن تعني التسليم بتنازلات استراتيجية، و"تختبر" فكرة مخرج إقليمي من التورط في عراق أخذ يغوص أكثر فأكثر في أتون الحرب الطائفية الأهلية ولربما أقوامية محتملة في شروطٍ ما، وبشكل يتم فيه إخراج ذلك بقرار عربي، وهو ما بات ضمن حسابات واشنطن التي تعمل منذ فترةٍ على هذا الخيار، فضلاً عن عملها على الخيار الإيراني، وبدور إشاراتٍ ضمنيةٍ عنها في إعادة الاعتراف غير المباشر بدور دمشق في التوازن اللبناني مقابل دورٍ" إيجابيٍ" لها في العراق.
هذا هو بالضبط منطق نظرية اللعب في علم السياسة، وميزة هذه النظرية أنها تقلل كثيراً من الفخامة الأيديولوجية الصلبة والمتماسكة للنظريات لصالح اشتقاق منطقها من عملية السياسة نفسها التي تتم دوماً بشكلٍ ديناميكي، وتعيد هنا تقدير أوزان اللاعبين على أساس المصالح في قواعد اللعبة في محيطٍ إقليميٍ متشابكٍ ومتغيرٍ. ومن هنا يمكن وضع التبدلات الجارية في قواعد اللعبة اللبنانية في سياق التبدلات في قواعد اللعبة الجيو-بوليتكية في المنطقة ككل. ولكل طرف في اللعبة مصالحه، وزاويته التي يحسّن من خلالها مواقعه وقدراته، غير أن الجميع يعيدون ترتيب أوراقهم. ولذلك فإن دمشق اختارت التريث باستقبال السنيورة بانتظار ما ستتمخض عنه الديناميكية الراهنة في المنطقة من تغيرات جارية بحدّةٍ شديدةٍ، وتحتمل في كل وقت ترقب "المفاجآت" التي انكشفت نهاياتها لدمشق، لكن ما يزال بعضها "كامناً" في المسرح اللبناني للعبة الجيو-بوليتكية العامة في المنطقة.

محمد جمال باروت
كاتب وباحث سوري – حلب