قوات دجلة!

مهما تكن المبررات من تشكيل قوات دجلة فان ما يجري الآن من سجال بشأنها، وحول ما يتردد عن احتكاك مع قوات البيشمركة، لا يعدو كونه يأتي في إطار صراع "المقاولين السياسيين" الذين يمسكون حاليا بتفاصيل السلطة والنفوذ في العراق الجديد.

أذكر أنني رافقت يوم 6 أغسطس آب 2001 نائب الرئيس الايراني السيد محمد علي أبطحي وكان موفدا شخصيا من الرئيس الاصلاحي السابق سيد محمد خاتمي، إلى الراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وسلمه رسالة خطية من خاتمي، بعد أن تصاعد الخلاف آنذاك حول الجزر الثلاث طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى.

كنت واقفا في الصالة الكبيرة وأنا أستمع الى الشيخ زايد، وهو يعرب عن اعتزازه برسالة خاتمي قائلا لأبطحي: "بلغ السيد خاتمي أنني عضد له، ولن أسمح في يوم من الأيام بإراقة قطرة دم إنسان واحد منا أو منكم من أجل هذه الجزر.. نحن نقول إنها إماراتية وأنتم تقولون إنها إيرانية، ونظل نتفاوض ونستخدم كل الوسائل السلمية لنصل الى حل بعيدا عن إراقة ولو قطرة دم واحدة".

قبل ذلك وبعد أن قتل مسلحون من حركة طالبان الأفغانية، 11 دبلوماسيا (بينهم صحفي كان مراسلا لوكالة الأنباء الايرانية) في القنصلية الايرانية في مزار شريف في 8 أغسطس آب 1998، عم الغضب إيران، ونزلت كلها الى الشارع لتشييع الضحايا، وكان المشيعون يطالبون بالتدخل العسكري لمعاقبة طالبان.

وفعلا.. كان المزاج الشعبي، وحتى الرسمي، يشير الى حرب وشيكة بين الجانبين إذ حشدت القوات الايرانية على الحدود مع أفغانستان، نحو 300 ألف (230 ألفا من الحرس الثوري مع 70 ألفا من قوات الحدود). وكان صوت طبول الحرب، يسمع بوضوح في اجتماعات المجلس الأعلى للأمن القومي برئاسة خاتمي الذي نجح في إقناع الجميع خصوصا المرشد الأعلى الذي بيده قرار إعلان الحرب، بالجنوح للسلم.

فالحرب برأي زايد وخاتمي لن تكون الا خاسرة في كل الأحوال.

تُرى.. هل يستفيد المقاولون السياسيون من التاريخ، ويذعنون الى أن المناطق المتنازع عليها بين كردستان والمركز لا تستحق أن تسفك دماء أبناء البلد الواحد من أجلها؟ وهل كتب على العراقيين أن يعيشوا دائما تحت شبح حروب خلفت ضحايا ودمارا وأسرا عانت من أمراض الحروب وأعراضها الاجتماعية الجانبية سنوات طويلة؟!.

ألم تكن إحدى مبررات الاستعانة بالأجنبي لإسقاط نظام صدام (وما جر ذلك من ويلات) توريط العراقيين في حربين خاسرتين لا ناقة لهم فيهما ولا جمل، مع ايران والكويت؟.

من منح رئيس الوزراء نوري المالكي صلاحية الزج بالجنود العراقيين (وهم دائما أولاد الخايبة) في حرب مهما تكن مبرراتها، خصوصا وأنها إن وقعت فستكون مع أشقاء فتحوا بيوتهم ملاذا لكل مضطهد توجه إليهم في تلك السنوات العجاف من النضال ضد صدام؟!

هي أسئلة توجه أيضا الى الأخوة في كردستان، فهذه الحرب لن تكون الا مسمارا آخر يضاف الى مسامير أخرى دقها صراع المقاولين من الجانبين، في نعش ما تبقى من "الوحدة الوطنية" بين شعبين تآخيا على الدوام، رغم كل حروب الأنظمة السابقة ضد الاقليم.

مسمار:

هناك كلام.. ان الحكومة وبالتنسيق مع إيران حشدت "قوات دجلة" على تخوم مواقع نفوذ البيشمركة، للضغط على كردستان ليتخذ موقف الحياد تجاه ما يجري في سورية، والضغط على أكراد سورية حتى لا يدخلوا في أي تحالف محلي أو إقليمي يهدف إلى الإطاحة بالأسد.

ورحم الله الحارثُ بن وَعْلة الجَرمِي الذي قال:

قومي هم قتلوا أُميم أخي فإذا رميت يصيـبني سهمـي

فلئن عفوت لأعفونْ جللا ولئن سطوت لأُوهننْ عظمي

نجاح محمد علي