قهر الموت بالتناسخ في لوحات الفنان أمانج أمين

وسيلة لتحقيق الحلم بالسلام

قبل أربعين ألف سنة رسم الإنسان على جدران الكهوف وسقوفها، ليس من أجل التاريخ، ولكن ليعبر عن ذاته وارتباطها الجدلي بالطبيعة.

ورغم أن التطور وتأسيس الحضارات فض عفوية تلك العلاقة وجعلها استجابات جمالية وفلسفية للذات، إلا أن الكثير من الثقافات ظلت متمسكة ببدائية تلك العلاقة.

ما زال سكان كندا الأصليون يطلقون على الطبيعة مفردة "الأم"، وما زالت أساطير الموت وانبعاث الأرواح في الكائنات الحية ثؤثر في ثقافة الكثير من الشعوب وإنتاجها الفني.

أمانج أمين فنان تشكيلي عراقي، يُغيب في لوحاته الكلمة باللون، الوهم بالواقع، الجمال بالقبح، الموت بالحياة، بحرفية عالية، ليس فقط من أجل ترك انطباعاً كئيباً عن الذات العراقية المغتربة في واقعها المأساوي، ولا فقط ليعبر عن حالة ضياعها في المتضادات التي يظلل فيها الأقوى نقيضه دون امتلاك القدرة على أن يمحوه تماماً ويحررها من ضرورة الازدواجية من أجل البقاء.

أمانج أمين يتجاوز في لوحاته الزمن ويعود بالذات العراقية المنهكة بالحروب إلى أصلها البدائي المرتبط بالطبيعة ليحقق اليوتوبيا، أفكاره المثالية المتجسدة باللون والتكوين، يتجاوز بها الوجود المادي للمكان إلى عالمه الطوباوي الذي يعيش الإنسان فيه مع باقي الكائنات بسلام. عالم لا يأكل فيه الذئب الشاة، والقط الفأر، والإنسان أخيه الإنسان.

اتخذ الفنان أمانج أمين من فلسفة التناسخ وسيلة لتحقيق الحلم بالسلام، أراد إنقاذ شعبه من الموت المتربص به بالتناسخ، فهو يقول: "لو أدرك الإنسان بأن روحه ستتناسخ بعد تركها للجسد لما رأينا كل هذا الطمع بالجنة وطعامها وحورياتها، ولما تسبب الإنسان بكل هذا الدمار لأجلها".

ورغم أن فلسفة التناسخ ليست غريبة على عالم الفن التشكيلي خاصة الفنون التي جسدت مفهوم التناسخ في الديانات مثل الدرزية والنصيرية، الهندوسية والبوذية، إلا أن نتاج أمانج أمين يتميز بتجسيد زمن التناسخ في لوحاته، لا صيروته فقط، تجسد اللوحات مرحلة التفسخ كنتيجة للموت ومرحلة التناسخ كنتيجة لحياة جديدة.

هذه العملية تفرض على المتلقي المتأمل للوحة نوعا من الخداع البصري كوهم الحركة داخل اللوحة أو الخداع السمعي كوهم سماع موسيقى جنائزية أو برية، ربما نعيق غربان أو عواء ذئاب واحيانا هديل حمام عندما تقهر ألوان البيئة الشرقيه في اللوحة روح التشاؤم عند الرسام الذي ينحني باحترام للطبيعة وكائناتها.

يقول أمانج عن الكائنات التي يحل فيها إنسانه الميت مادياً أو معنوياً: "أحب جميع الكائنات على الأرض، ربما ستحل روحي يوما في جسد احداها أو روح أبي الأن موجودة في جسد واحدة منها".