قناة 'فرنسا 24' والخطاب الاستعماري الجديد

بقلم: عبدالستار المكي

تونس عصيّة على قناة "فرنسا 24"، وعلى خطابها الاستعماري الجديد وعلى محاولاتها اليائسة لتشويه صورة بلاد تتقدم بخطى ثابتة على درب التنمية المتضامنة والتعددية والديمقراطية والحريات الفردية والعامة.

تونس التي تصنفها اليوم المؤسسات الإقليمية والدولية في مراتب متقدمة ومشرفة في مجالات دقيقة وهامة مثل التنافسية الجملية للاقتصاد والاستقرار السياسي وحياد الإدارة وشفافية القرارات وثقة المواطنين في القرارات الحكومية، تتمتع بصورة إيجابية تعجز قناة "فرنسا 24" وطاقم تحريرها على تشويهها وعلى قلب الحقائق وتزييف الواقع مهما أمعنت في الإصرار على الافتراء والتضليل.

أن واقع تونس هو غير ذاك الذي يفتري عليه المناوءون والموتورون الذين تخصص لهم "فرنسا 24" مقعدا دائما ومساحات واسعة ليبثوا من خلالها تقاريرهم التي تلوي عنق الحقيقة والمعدة سلفا لجهات تدفع لهم بقدر ما يمعنون في الافتراء وكيل المزاعم.

ولئن كانت تونس بمنجزاتها التنموية والسياسية وبما تتمتع به من ثقة في المحافل الدولية أرفع من محاولات التهويل والتضخيم التي تفتعلها قناة "فرنسا 24" فإن ذلك لا يمنع من التأكيد على أن هذه القناة بالغت في الافتراء والمزاعم كلما تعلق الأمر بتونس التي لا تذكرها إلا بسوء وتتجاهل حقائق الواقع ونجاحات تونس على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

تتجاهل القناة أن تونس انتهجت تجربة تنموية ناجحة مكنتها من تحقيق نسبة نمو لا تقل عن 5 بالمائة مما رفّع معدل الدخل الفردي السنوي إلى أكثر من 6000 دينار.

وتتجاهل أن المجتمع التونسي هو مجتمع متوازن ومتضامن تمثل الطبقة الوسطى فيه 80 بالمائة من السكان وأن الأحداث الاجتماعية الأخيرة هي مجرد أحداث عارضة وطارئة تحدث في كل البلدان الصاعدة أو المتقدمة على حد سواء. (هل نذكّر القناة بما يحدث في باريس وضواحيها حيث مستنقعات الفقر والتمييز العنصري والصدامات شبه اليومية بين الشرطة والفرنسيين المتذمرين).

وتتجاهل القناة ذات النزعة الاستعمارية أن تونس المتمسكة بسيادتها واستقلالية قرارها الوطني هي دولة قانون ومؤسسات ترسخت فيها تجربة تعددية وديمقراطية تفسح المجال أمام كل المواطنين للمساهمة في إثراء مسيرة التنمية في مختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتتجاهل القناة التي تأسست على خلفية ذات نزعة استعمارية أن التونسيين من مختلف الفئات والجهات يتقاسمون بعدل عائدات الخيرات، وتمعن بالقابل في بثّ أخبار وتقارير مغلوطة في محاولة يائسة منها لقلب حقائق الواقع.

إن المتابع لتعاطي هذه القناة مع الشأن التونسي خلال الأيام الأخيرة بالخصوص يلاحظ أنها تجرّدت من الحد الأدنى من شروط الموضوعية المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي لتركب أحداثا اجتماعية عادية وتعمل على استغلالها سياسيا من أجل تضليل الرأي العام ومن خلال تكرار ممجوج لتلك الأحداث العارضة وبثّ نفس الصور المفبركة دون الإشارة إلى مصادرها والتثبّت من صحتها.

وإمعانا في تضخيم الأحداث، تصر القناة على استضافة عدد من المناوئين لتونس المعروفين بحنينهم لاستعمار ولّى عهده لتفسح لهم المجال واسعا من أجل بثّ مزاعم واهية وأراجيف لا يصدّقها من يعرف تونس ومن يتابع نجاح مسيرتها على درب التقدم والنماء.

لقد فقدت قناة "فرنسا 24" مصداقيتها لدى المشاهد التونسي والعربي بعد أن وقف الرأي العام على حقيقة أهدافها الهدامة بتحولها إلى وسيلة دعائية فجّة لأصوات الفوضويين والانتهازيين المعتيشين من فتات السفارات الأجنبية.

وليس أدل على ذلك من أن القناة ما انفكت تفتح استوديوهاتها لأصوات فاقدة للمصداقية تحت مسميات نكرة ومجهولة وبالمقابل تعرض عن فسح المجال أمام الخبراء والمحللين الموضوعيين الذي هم أدرى بواقع تونس من غيرهم.

إن محاولات القناة تشويه صورة تونس والإساءة إليها هي محاولات فاشلة ويائسة مسبقا ذلك أن رصيد نجاحات تونس كفيل بالردّ المقنع على تحامل هذه القناة وبثّها لمزاعم لا تمتّ لواقع التونسيين بأية صلة.

لقد بات التونسيون على قناعة أن شعارات من قبيل الدفاع عن حرية الرأي والتعبير التي تحاول القناة التدثّر بها لتمرير أجندات مشبوهة وهدامة ما هي إلا مجرد مغالطات وذرّ الرماد في العيون.

لقد كان حريّا بقناة "فرنسا 24" احترام أخلاقيات المهنة الصحفية والإعلامية والتعاطي مع الشأن التونسي بالموضوعية والحياد والشفافية والابتعاد عن الانتقائية المفضوحة، فتتثبّت من صحة ما تبثّه وتقدم وجهات نظر كل الأطراف، وكان أحرى بها أيضا أن تحترم مشاهديها فتقدم المعلومة الصحيحة لتنقل صورة الواقع كما هي لا أن تستصغرهم وتضخم لهم أحداثا عرضية عادية.

كما كان أحرى بهذه القناة أن تكون مدركة أن الرأي العام في تونس الذي هو على قدر كبير من النضج والوعي والإلمام بحقيقة الأوضاع والأحداث لا يمكن أن تضلله المزاعم ومحاولات التشويه والتشكيك التي ما انفكت تمارسها هذه القناة التي تحولت إلى صوت استعماري مرفوض عربيّ.

نحن نذكر جيدا من هي فرنسا وماذا فعلت على أرضنا. ولا يمكن لعاقل أن يثق بمصداقية دعاة عودة الاستعمار بلبوس إعلامية.

عبدالستار المكي

إعلامي تونسي